الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا . . . . "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَنْ أَخْطَأُ قَوْلًا وَأَجْهَلُ فِعْلًا مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا يَعْنِي : مِمَّنِ اخْتَلَقَ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ، فَادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ بَعَثَهُ نَبِيًّا وَأَرْسَلَهُ نَذِيرًا ، وَهُوَ فِي دَعْوَاهُ مُبْطِلٌ ، وَفِي قِيلِهِ كَاذِبٌ . وَهَذَا تَسْفِيهٌ مِنَ اللَّهِ لِمُشْرِكِي الْعَرَبِ ، وَتَجْهِيلٌ مِنْهُ لَهُمْ ، فِي مُعَارَضَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ ، وَالْحَنَفِيِّ مُسَيْلِمَةَ ، لِنَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، بِدَعْوَى أَحَدِهِمَا النُّبُوَّةَ ، وَدَعْوَى الْآخَرِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ بِمِثْلِ مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَنَفْيٌ مِنْهُ عَنْ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اخْتِلَاقَ الْكَذِبِ عَلَيْهِ وَدَعْوَى الْبَاطِلِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ نَحْوَ الَّذِي قُلْنَا فِيهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13555 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَوْلَهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ قَالَ : نَزَلَتْ فِي مُسَيْلِمَةَ أَخِي بَنِي عَدِيِّ بْنِ حَنِيفَةَ ، فِيمَا كَانَ يَسْجَعُ وَيَتَكَهَّنُ بِهِ وَمَنْ قَالَ سَأُنْـزِلُ مِثْلَ مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ ، أَخِي بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ، كَانَ كَتَبَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَكَانَ فِيمَا يُمْلَى عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَيَكْتُبُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فَيُغَيِّرُهُ ، ثُمَّ يَقْرَأُ عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا لِمَا حَوَّلَ ، فَيَقُولُ : نَعَمْ ، سَوَاءٌ . فَرَجَعَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَلَحِقَ بِقُرَيْشٍ وَقَالَ لَهُمْ : لَقَدْ كَانَ يُنَزَّلُ عَلَيْهِ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَأُحَوِّلُهُ ، ثُمَّ أَقْرَأُ مَا كَتَبْتُ ، فَيَقُولُ : نَعَمْ سَوَاءٌ ! ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ ، إِذْ نَزَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَرٍّ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ نَزَلَ ذَلِكَ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ خَاصَّةً . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13556 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ إِلَى قَوْلِهِ : تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ . قَالَ : نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ ، أَسْلَمَ ، وَكَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَكَانَ إِذَا أَمْلَى عَلَيْهِ : سَمِيعًا عَلِيمًا كَتَبَ هُوَ : عَلِيمًا حَكِيمًا وَإِذَا قَالَ : عَلِيمًا حَكِيمًا كَتَبَ : سَمِيعًا عَلِيمًا فَشَكَّ وَكَفَرَ ، وَقَالَ : إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ يُوحَى إِلَيْهِ فَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ يُنْزِلُهُ فَقَدْ أَنْزَلْتُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ! قَالَ مُحَمَّدٌ : سَمِيعًا عَلِيمًا فَقُلْتُ أَنَا : عَلِيمًا حَكِيمًا ! فَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ ، وَوَشَى بِعَمَّارٍ وَجُبَيْرٍ عِنْدَ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ ، أَوْ لِبَنِي عَبْدِ الدَّارِ .
فَأَخَذُوهُمْ فَعُذِّبُوا حَتَّى كَفَرُوا ، وَجُدِعَتْ أُذُنُ عَمَّارٍ يَوْمئِذٍ . فَانْطَلَقَ عَمَّارٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ بِمَا لَقِيَ ، وَالَّذِي أَعْطَاهُمْ مِنَ الْكُفْرِ ، فَأَبَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَتَوَلَّاهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَأْنِ ابْنِ أَبِي سَرْحٍ وَعَمَّارٍ وَأَصْحَابِهِ : مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا [ سُورَةُ النَّحْلِ : 106 ] ، فَالَّذِي أُكْرِهَ عَمَّارٌ وَأَصْحَابُهُ ، وَالَّذِي شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَهُوَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ الْقَائِلُ : أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13557 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي مُسَيْلِمَةَ . ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ ، فَكَبُرَا عَلَيَّ وَأَهَمَّانِي ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ : أَنِ انْفُخْهُمَا ، فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا ، فَأَوَّلْتُهُمَا فِي مَنَامِي الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا ، كَذَّابَ الْيَمَامَةِ مُسَيْلِمَةَ ، وَكَذَّابَ صَنْعَاءَ الْعَنْسِيَّ . وَكَانَ يُقَالُ لَهُ : الْأُسُودُ .
13558 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ قَالَ : نَزَلَتْ فِي مُسَيْلِمَةَ . 13559 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَزَادَ فِيهِ : وَأَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ ، فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيَّ ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنِ انْفُخْهُمَا ، فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا ، فَأَوَّلَتْ ذَلِكَ كَذَّابَ الْيَمَامَةِ وَكَذَّابَ صَنْعَاءَ الْعَنْسِيَّ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ قَالَ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَلَا تَمَانُعَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ أَنَّ ابْنَ أَبِي سَرْحٍ كَانَ مِمَّنْ قَالَ : إِنِّي قَدْ قُلْتُ مِثْلَ مَا قَالَ مُحَمَّدُ وَأَنَّهُ ارْتَدَّ عَنْ إِسْلَامِهِ وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ ، فَكَانَ لَا شَكَّ بِذَلِكَ مِنْ قِيلِهِ مُفْتَرِيًا كَذِبًا .
وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْجَمِيعِ أَنْ مُسَيْلِمَةَ وَالْعَنْسِيَّ الْكَذَّابَيْنِ ، ادَّعَيَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا . أَنَّهُ بَعَثَهُمَا نَبِيِّيْنِ ، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِ ، وَهُوَ كَاذِبٌ فِي قِيلِهِ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَقَدْ دَخَلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كُلُّ مَنْ كَانَ مُخْتَلِقًا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ، وَقَائِلًا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَفِي غَيْرِهِ : أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ وَهُوَ فِي قِيلِهِ كَاذِبٌ ، لَمْ يُوحِ اللَّهُ إِلَيْهِ شَيْئًا .
فَأَمَّا التَّنْزِيلُ ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ بِسَبَبِ بَعْضِهِمْ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ بِسَبَبِ جَمِيعِهِمْ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عُنِيَ بِهِ جَمِيعُ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَبِ إِذْ كَانَ قَائِلُو ذَلِكَ مِنْهُمْ ، فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ . فَعَيَّرَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ ، وَتَوَعَّدَهُمْ بِالْعُقُوبَةِ عَلَى تَرْكِهِمْ نَكِيرَ ذَلِكَ ، وَمَعَ تَرْكِهِمْ نَكِيرَهُ هُمْ بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُكَذِّبُونَ ، وَلِنُبُوَّتِهِ جَاحِدُونَ ، وَلِآيَاتِ كِتَابِ اللَّهِ وَتَنْزِيلِهِ دَافِعُونَ ، فَقَالَ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمِنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ادَّعَى عَلَيَّ النُّبُوَّةَ كَاذِبًا وَقَالَ : أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ ، وَمَعَ ذَلِكَ يَقُولُ : مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ فَيَنْقُضُ قَوْلَهُ بِقَوْلِهِ ، وَيُكَذِّبُ بِالَّذِي تَحَقَّقَهُ ، وَيَنْفِي مَا يُثْبِتُهُ . وَذَلِكَ إِذَا تَدَبَّرَهُ الْعَاقِلُ الْأَرِيبُ عَلِمَ أَنَّ فَاعِلَهُ مِنْ عَقْلِهِ عَدِيمٌ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : وَمَنْ قَالَ سَأُنْـزِلُ مِثْلَ مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ مَا : - 13560 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالَ : زَعَمَ أَنَّهُ لَوْ شَاءَ قَالَ مِثْلَهُ يَعْنِي الشِّعْرَ . فَكَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي تَأْوِيلِهِ هَذَا عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ ، يُوَجِّهُ مَعْنَى قَوْلِ قَائِلٍ : سَأُنْـزِلُ مِثْلَ مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ إِلَى : سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا قَالَ اللَّهُ مِنَ الشِّعْرِ . وَكَذَلِكَ تَأَوَّلَهُ السُّدِّيُّ .
وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ عَنْهُ قَبْلُ فِيمَا مَضَى . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَلَوْ تَرَى ، يَا مُحَمَّدُ ، حِينَ يَغْمُرُ الْمَوْتُ بِسَكَرَاتِهِ هَؤُلَاءِ الظَّالِمِينَ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ ، وَالْقَائِلِينَ : مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ وَالْمُفْتَرِينَ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ، الزَّاعِمِينَ أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ ، وَالْقَائِلِينَ : سَأُنْـزِلُ مِثْلَ مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَتُعَايِنُهُمْ وَقَدْ غَشِيَتْهُمْ سَكَرَاتُ الْمَوْتِ ، وَنَزَلَ بِهِمْ أَمْرُ اللَّهِ ، وَحَانَ فَنَاءُ آجَالِهِمْ ، وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ﴾ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ [ سُورَةُ مُحَمَّدٍ : 27 ، 28 ] . يَقُولُونَ لَهُمْ : أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ .
وَ الْغَمَرَاتُ جَمْعُ غَمْرَةٍ وَ غَمْرَةُ كُلِّ شَيْءٍ كَثْرَتُهُ وَمُعْظَمُهُ ، وَأَصْلُهُ الشَّيْءُ الَّذِي يَغْمُرُ الْأَشْيَاءَ فَيُغَطِّيهَا ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : وَهَلْ يُنْجِي مِنَ الْغَمَرَاتِ إِلَّا بُرَاكَاءُ الْقِتَالِ أَوِ الْفِرَارُ وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ ، مَا : - 13561 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَوْلُهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ قَالَ : سَكَرَاتُ الْمَوْتِ . 13562 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ يَعْنِي سَكَرَاتِ الْمَوْتِ . وَأَمَّا بَسْطُ الْمَلَائِكَةِ أَيْدِيهَا فَإِنَّهُ مَدُّهَا .
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي سَبَبِ بَسْطِهَا أَيْدِيهَا عِنْدَ ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13563 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ قَالَ : هَذَا عِنْدَ الْمَوْتِ ، وَالْبَسْطُ الضَّرْبُ ، يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ .
13564 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ يَقُولُ : الْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَالظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ ، وَمَلَكُ الْمَوْتِ يَتَوَفَّاهُمْ . 13565 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ يَضْرِبُونَهُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ بَسْطُهَا أَيْدِيهَا بِالْعَذَابِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13566 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ : وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ قَالَ : بِالْعَذَابِ . 13567 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ : وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ بِالْعَذَابِ . وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْكُوفِيِّينَ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ بِمَعْنَى : بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ بِإِخْرَاجِ أَنْفُسِهِمْ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : مَا وَجْهُ قَوْلِهِ : أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ وَنُفُوسُ بَنِي آدَمَ إِنَّمَا يُخْرِجُهَا مِنْ أَبْدَانِ أَهْلِهَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ فَكَيْفَ خُوطِبَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ ، وَأُمِرُوا فِي حَالِ الْمَوْتِ بِإِخْرَاجِ أَنْفُسِهِمْ ؟ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَقَدْ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَنُو آدَمَ هَمْ يَقْبِضُونَ أَنْفُسَ أَجْسَامِهِمْ ! قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ بِخِلَافِ الَّذِي [ إِلَيْهِ ] ذَهَبْتَ وَإِنَّمَا ذَلِكَ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى أَلْسُنِ رُسُلِهِ الَّذِينَ يَقْبِضُونَ أَرْوَاحَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مِنْ أَجْسَامِهِمْ ، بِأَدَاءِ مَا أَسْكَنَهَا رَبُّهَا مِنَ الْأَرْوَاحِ إِلَيْهِ ، وَتَسْلِيمِهَا إِلَى رُسُلِهِ الَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَهَا . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ( 93 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّا تَقُولُ رُسُلُ اللَّهِ الَّتِي تَقْبِضُ أَرْوَاحَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ لَهَا ، يُخْبِرُ عَنْهَا أَنَّهَا تَقُولُ لِأَجْسَامِهَا وَلِأَصْحَابِهَا : أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ إِلَى سَخَطِ اللَّهِ وَلَعْنَتِهِ ، فَإِنَّكُمُ الْيَوْمَ تُثَابُونَ عَلَى كُفْرِكُمْ بِاللَّهِ ، وَقِيلِكُمْ عَلَيْهِ الْبَاطِلَ ، وَزَعْمِكُمْ أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْكُمْ وَلَمْ يُوحِ إِلَيْكُمْ شَيْئًا ، وَإِنْكَارِكُمْ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَنْزَلَ عَلَى بَشَرٍ شَيْئًا ، وَاسْتِكْبَارِكُمْ عَنِ الْخُضُوعِ لِأَمْرِ اللَّهِ وَأَمْرِ رَسُولِهِ ، وَالِانْقِيَادِ لِطَاعَتِهِ عَذَابَ الْهُونِ وَهُوَ عَذَابُ جَهَنَّمَ الَّذِي يُهِينُهُمْ فَيُذِلُّهُمْ ، حَتَّى يَعْرِفُوا صَغَارَ أَنْفُسهمْ وَذِلَّتَهَا ، كَمَا : - 13568 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : أَمَّا عَذَابَ الْهُونِ فَالَّذِي يُهِينُهُمْ . 13569 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ قَالَ : عَذَابَ الْهُونِ فِي الْآخِرَةِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ .
وَالْعَرَبُ إِذَا أَرَادَتْ بِ الْهُونِ مَعْنَى الْهَوَانِ ضَمَّتِ الْهَاءُ وَإِذَا أَرَادَتْ بِهِ الرِّفْقَ وَالدَّعَةَ وَخِفَّةَ الْمَئُونَةِ ، فَتَحَتِ الْهَاءَ فَقَالُوا : هُوَ قَلِيلُ هَوْنِ الْمَئُونَةِ وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ : الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا [ سُورَةُ الْفُرْقَانِ : 63 ] ، يَعْنِي : بِالرِّفْقِ وَالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ جَنْدَلِ بْنِ الْمُثَنَّى الطُّهْوِيِّ : وَنَقْضَ أَيْامٍ نَقَضْنَ أَسْرَهُ هَوْنًا وَأَلْقَى كُلُّ شَيْخٍ فَخْرَهُ وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ : هَوْنَكُمَا لَا يَرُدُّ الدَّهْرُ مَا فَاتَا لَا تَهْلِكَا أَسَفًا فِي إِثْرِ مَنْ مَاتَا يُرِيدُ : أرْوِدَا . وَقَدْ حُكِيَ فَتْحُ الْهَاءِ فِي ذَلِكَ بِمَعْنَى الْهَوَانِ وَاسْتَشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ بِبَيْتِ عَامِرِ بْنِ جُوَيْنٍ : يُهِينُ النفُوسَ ، وَهَوْنُ النُّفُو سِ عِنْدَ الْكَرِيهَةِ أَغْلَى لَهَا وَالْمَعْرُوفُ مِنْ كَلَامِهِمْ ، ضَمُّ الْهَاءِ مِنْهُ ، إِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْهَوَانِ وَالذُّلِّ ، كَمَا قَالَ ذُو الْإِصْبَعِ الْعُدْوَانِيُّ : اذْهَبْ إلَيْكَ فَمَا أُمِّي بِرَاعِيَةٍ تَرْعَى الْمَخَاضَ وَلَا أُغْضِيَ عَلَى الْهُونِ يَعْنِي : عَلَى الْهَوَانِ وَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الرِّفْقِ ، فَفَتْحُهَا .