الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً . . . . "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَاللَّهُ الَّذِي لَهُ الْعِبَادَةُ خَالِصَةً لَا شَرِيكَ فِيهَا لِشَيْءٍ سِوَاهُ ، هُوَ الْإِلَهُ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا بِالْمَاءِ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ غِذَاءِ الْأَنْعَامِ وَالْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ وَالْوَحْشِ وَأَرْزَاقِ بَنِي آدَمَ وَأَقْوَاتِهِمْ مَا يَتَغَذَّوْنَ بِهِ وَيَأْكُلُونَهُ فَيَنْبُتُونَ عَلَيْهِ وَيَنْمُونَ . وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مَا يَنْبُتُ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ وَيَنْمُو عَلَيْهِ وَيَصْلُحُ . وَلَوْ قِيلَ : مَعْنَاهُ : فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ جَمِيعِ أَنْوَاعِ النَّبَاتِ ، فَيَكُونُ كُلِّ شَيْءٍ هُوَ أَصْنَافُ النَّبَاتِ كَانَ مَذْهَبًا ، وَإِنْ كَانَ الْوَجْهُ الصَّحِيحُ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ .
وَقَوْلُهُ : فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا يَقُولُ : فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ يَعْنِي مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ خَضِرًا رَطْبًا مِنَ الزَّرْعِ . وَالْخَضِرُ هُوَ الْأَخْضَرُ كَقَوْلِ الْعَرَبِ : أَرِنِيهَا نَمِرَةً ، أُرِكْهَا مَطِرَةً . يُقَالُ : خَضِرَتِ الْأَرْضُ خَضَرًا وَخَضَارَةً وَالْخَضِرُ رَطْبُ الْبُقُولِ ، وَيُقَالُ : نَخْلَةٌ خَضِيرَةٌ إِذَا كَانَتْ تَرْمِي بِبُسْرِهَا أَخْضَرَ قَبْلَ أَنْ يَنْضَجَ .
وَقَدِ اخْتُضِرَ الرَّجُلُ وَاغْتُضِرَ إِذَا مَاتَ شَابًّا مُصَحَّحًا . وَيُقَالُ : هُوَ لَكَ خَضِرًا مَضِرًا أَيْ هَنِيئًا مَرِيئًا . قَوْلُهُ : نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا يَقُولُ : نُخْرِجُ مِنَ الْخَضِرِ حَبًّا يَعْنِي : مَا فِي السُّنْبُلِ ، سُنْبُلِ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْأُرْزِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ السَّنَابِلِ الَّتِي حَبُّهَا يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13661 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ : مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا فَهَذَا السُّنْبُلُ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانُهُ دَانِيَةٌ ، وَلِذَلِكَ رُفِعَتْ الْقِنْوَانُ .
وَ الْقِنْوَانُ جَمْعُ قِنْوٍ كَمَا الصِّنْوَانُ جَمْعُ صِنْوٍ وَهُوَ الْعِذْقُ . يُقَالُ لِلْوَاحِدِ هُوَ قِنْوٌ وَ قُنْوٌ وَ قَنَا يُثَنَّى قِنْوَانِ وَيُجْمَعُ قِنْوَانٌ وَ قُنْوَانٌ . قَالُوا فِي جَمْعِ قَلِيلِهِ : ثَلَاثَةُ أَقْنَاءٍ .
وَ الْقِنْوَانُ مِنْ لُغَةِ الْحِجَازِ ، وَ الْقُنْوَانُ مِنْ لُغَةِ قَيْسٍ ، وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : فَأَثَّتْ أَعَالِيهِ وَآدَتْ أُصُولُهُ وَمَالَ بِقِنْوانٍ مِنَ الْبُسْرِ أَحْمَرَا وَ قِنْيَانٌ جَمِيعًا . وَقَالَ آخَرُ : لَهَا ذَنَبٌ كَالْقِنْوِ قَدْ مَذَلَتْ بِهِ وَأَسْحَمَ لِلتَّخْطَارِ بَعْدَ التَّشَذُّرِ وَتَمِيمٌ تَقُولُ : قُنْيَانٌ بِالْيَاءِ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : دَانِيَةٌ قَرِيبَةٌ مُتَهَدِّلَةٌ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13662 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ يَعْنِي بِ الْقِنْوَانِ الدَّانِيَةِ قِصَارَ النَّخْلِ ، لَاصِقَةً عُذُوقُهَا بِالْأَرْضِ . 13663 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ قَالَ : عُذُوقٌ مُتَهَدِّلَةٌ .
13664 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ يَقُولُ : مُتَهَدِّلَةٌ . 13665 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي قَوْلِهِ : قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ قَالَ : قَرِيبَةٌ . 13666 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ : قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ قَالَ : قَرِيبَةٌ .
13667 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ قَالَ : الدَّانِيَةُ ؛ لِتَهَدُّلِ الْعُذُوقِ مِنَ الطَّلْعِ . 13668 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ يَعْنِي النَّخْلَ الْقِصَارَ الْمُلْتَزِقَةَ بِالْأَرْضِ ، وَ الْقِنْوَانُ طَلْعُهُ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَأَخْرَجْنَا أَيْضًا جَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ يَعْنِي : بَسَاتِينَ مِنْ أَعْنَابٍ .
وَاخْتَلَفَ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ . فَقَرَأَهُ عَامَّةُ الْقَرَأَةِ : ( وَجَنَّاتٍ ) نَصْبًا ، غَيْرَ أَنَّ التَّاءَ كُسِرَتْ ؛ لِأَنَّهَا تَاءُ جَمْعِ الْمُؤَنَّثِ ، وَهِيَ تُخْفَضُ فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ . وَقَدْ : 13669 - حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ ، عَنِ الْكِسَائِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنَا حَمْزَةُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ أَنَّهُ قَرَأَ : وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ .
بِالرَّفْعِ ، فَرَفَعَ جَنَّاتٍ عَلَى إِتْبَاعِهَا الْقِنْوَانَ فِي الْإِعْرَابِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ جِنْسِهَا ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : وَرَأَيْتِ زَوْجَكِ فِي الْوَغَى مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا أَسْتَجِيزُ أَنْ يُقْرَأَ ذَلِكَ إِلَّا بِهَا النَّصْبُ : وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ ؛ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقَرَأَةِ عَلَى تَصْوِيبِهَا وَالْقِرَاءَةِ بِهَا ، وَرَفْضِهِمْ مَا عَدَاهَا ، وَبُعْدِ مَعْنَى ذَلِكَ مِنَ الصَّوَابِ إِذَا قُرِئَ رَفْعًا . وَقَوْلُهُ : وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ عَطَفَ بِ الزَّيْتُونَ عَلَى الْجَنَّاتِ بِمَعْنَى : وَأَخْرَجْنَا الزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ . وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي مَعْنَى مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ مَا : 13670 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ قَالَ : مُشْتَبِهًا وَرَقُهُ ، مُخْتَلِفًا ثَمَرُهُ .
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ : مُشْتَبِهًا فِي الْخَلْقِ ، مُخْتَلِفًا فِي الطَّعْمِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَمَعْنَى الْكَلَامِ : وَشَجَرُ الزَّيْتُونِ وَالرُّمَّانِ ، فَاكْتَفَى مِنْ ذِكْرِ الشَّجَرِ بِذِكْرِ ثَمَرِهِ ، كَمَا قِيلَ : ( وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ) [ سُورَةُ يُوسُفَ : 82 ] ، فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْقَرْيَةِ مِنْ ذِكْرِ أَهْلِهَا لِمَعْرِفَةِ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ بِمَعْنَاهُ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ .
فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ : انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ بِفَتْحِ الثَّاءِ وَ الْمِيمِ . وَقَرَأَهُ بَعْضُ قَرَأَةِ أَهْلِ مَكَّةَ وَعَامَّةُ قَرَأَةِ الْكُوفِيِّينَ : إِلَى ثُمُرِهِ بِضَمِّ الثَّاءِ وَ الْمِيمِ . فَكَأَنَّ مَنْ فَتْحَ الثَّاءَ وَ الْمِيمَ مِنْ ذَلِكَ وَجَّهَ مَعْنَى الْكَلَامِ : انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِ هَذِهِ الْأَشْجَارِ الَّتِي سَمَّيْنَا مِنَ النَّخْلِ وَالْأَعْنَابِ وَالزَّيْتُونِ وَالرُّمَّانِ إِذَا أَثْمَرَ ، وَأَنَّ الثَّمَرَ جَمْعُ ثَمَرَةٍ كَمَا الْقَصَبُ جَمْعُ قَصَبَةٍ وَ الْخَشَبُ جَمْعُ خَشَبَةٍ .
وَكَأَنَّ مَنْ ضَمَّ الثَّاءَ وَ الْمِيمَ وَجَّهَ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ جَمْعُ ثِمَارٍ كَمَا الْحُمُرُ جَمْعُ حِمَارٍ وَ الْجُرُبُ جَمْعُ جِرَابٍ وَقَدْ : 13671 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَمَّادٍ ، عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ : أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : إِلَى ثُمُرِهِ يَقُولُ : هُوَ أَصْنَافُ الْمَالِ . 13672 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : الثُّمُرُ هُوَ الْمَالُ وَ الثَّمَرُ ثَمَرُ النَّخْلِ . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : انْظُرُوا إِلَى ثُمُرِهِ بِضَمِّ الثَّاءِ وَ الْمِيمِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - وَصَفَ أَصْنَافًا مِنَ الْمَالِ كَمَا قَالَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ .
وَكَذَلِكَ حَبُّ الزَّرْعِ الْمُتَرَاكِبُ ، وَقِنْوَانُ النَّخْلِ الدَّانِيَةُ ، وَالْجَنَّاتُ مِنَ الْأَعْنَابِ وَالزَّيْتُونُ وَالرُّمَّانُ ، فَكَانَ ذَلِكَ أَنْوَاعًا مِنَ الثَّمَرِ ، فَجُمِعَتِ الثَّمَرَةُ ثَمَرًا ثُمَّ جُمِعَ الثَّمَرُ ثِمَارًا ثُمَّ جُمِعَ ذَلِكَ فَقِيلَ : انْظُرُوا إِلَى ثُمُرِهِ فَكَانَ ذَلِكَ جَمْعَ الثِّمَارِ وَ الثِّمَارُ جَمْعَ الثَّمَرِ وَ إِثْمَارُهُ عَقْدَ الثَّمَرِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَيَنْعِهِ فَإِنَّهُ نُضْجُهُ وَبُلُوغُهُ حِينَ يَبْلُغُ . وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ فِي يَنْعِهِ إِذَا فُتِحَتْ يَاؤُهُ ، هُوَ جَمْعُ يَانِعٍ كَمَا التَّجْرُ جَمْعُ تَاجِرٍ وَ الصَّحْبُ جَمْعُ صَاحِبٍ .
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ يُنْكِرُ ذَلِكَ ، وَيَرَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِهِمْ : يَنَعَ الثَّمَرُ فَهُوَ يَيْنَعُ يَنْعًا ، وَيَحْكِي فِي مَصْدَرِهِ عَنِ الْعَرَبِ لُغَاتٍ ثَلَاثًا : يَنْعٌ وَ يُنْعٌ وَ يَنَعٌ وَكَذَلِكَ فِي النَّضْجِ النُّضْجِ وَ النَّضَجِ . وَأَمَّا فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ : وَيَانِعِهِ فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : وَنَاضِجُهُ وَبَالِغُهُ . وَقَدْ يَجُوزُ فِي مَصْدَرِهِ يُنُوعًا وَمَسْمُوعٌ مِنَ الْعَرَبِ : أَيْنَعَتِ الثَّمَرَةُ تُونِعُ إِينَاعًا وَمِنْ لُغَةِ الَّذِينَ قَالُوا : يَنَعٌ قَوْلُ الشَّاعِرِ : فِي قِبَابٍ عِنْدَ دَسْكَرَةٍ حَوْلَهَا الزَّيْتُونُ قَدْ يَنَعَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13763 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَيَنْعِهِ يَعْنِي : إِذَا نَضِجَ . 13674 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ قَالَ : يَنْعُهُ نُضْجُهُ . 13675 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ أَيْ نُضْجِهِ .
13676 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : وَيَنْعِهِ قَالَ : نُضْجُهُ . 13677 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَيَنْعِهِ يَقُولُ : وَنُضْجِهِ . 13678 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : وَيَنْعِهِ قَالَ : يَعْنِي نُضْجَهُ .
13679 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَيَنْعِهِ قَالَ : نُضْجِهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 99 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - إِنَّ فِي إِنْزَالِ اللَّهِ مِنَ السَّمَاءِ الْمَاءَ الَّذِي أَخْرَجَ بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ، وَالْخَضِرَ الَّذِي أَخْرَجَ مِنْهُ الْحَبَّ الْمُتَرَاكِبَ ، وَسَائِرَ مَا عَدَّدَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ صُنُوفِ خَلْقِهِ لِآيَاتٍ يَقُولُ : فِي ذَلِكُمْ - أَيُّهَا النَّاسُ - إِذَا أَنْتُمْ نَظَرْتُمْ إِلَى ثَمَرِهِ عِنْدَ عَقْدِ ثَمَرِهِ ، وَعِنْدَ يَنْعِهِ وَانْتِهَائِهِ ، فَرَأَيْتُمُ اخْتِلَافَ أَحْوَالِهِ وَتَصَرُّفِهِ فِي زِيَادَتِهِ وَنُمُوِّهِ ، عَلِمْتُمْ أَنَّ لَهُ مُدَبِّرًا لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، وَلَا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ دُونَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ ، وَكَانَ فِيهِ حُجَجٌ وَبُرْهَانٌ وَبَيَانٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يَقُولُ : لِقَوْمٍ يُصَدِّقُونَ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى مَا يَشَاءُ . وَخَصَّ بِذَلِكَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - الْقَوْمَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ؛ لِأَنَّهُمْ هُمُ الْمُنْتَفِعُونَ بِحُجَجِ اللَّهِ وَالْمُعْتَبِرُونَ بِهَا ، دُونَ مَنْ قَدْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ ، فَلَا يَعْرِفُ حَقًّا مِنْ بَاطِلٍ ، وَلَا يَتَبَيَّنُ هُدًى مِنْ ضَلَالَةٍ .