الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَكَمَا زَيَّنَّا لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ، كَذَلِكَ جَعَلْنَا بِكُلِّ قَرْيَةٍ عُظَمَاءَهَا مُجْرِمِيهَا يَعْنِي أَهْلَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَالْمَعْصِيَةِ لَهُ ( لِيَمْكُرُوا فِيهَا ) ، بِغُرُورٍ مِنَ الْقَوْلِ أَوْ بِبَاطِلٍ مِنَ الْفِعْلِ ، بِدِينِ اللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ ( وَمَا يَمْكُرُونَ ) : أَيْ مَا يَحِيقُ مَكْرُهُمْ ذَلِكَ ، إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ مِنْ وَرَاءِ عُقُوبَتِهِمْ عَلَى صَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ، يَقُولُ : لَا يَدْرُونَ مَا قَدْ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ أَلِيمِ عَذَابِهِ ، فَهُمْ فِي غَيِّهِمْ وَعُتُوِّهِمْ عَلَى اللَّهِ يَتَمَادَوْنَ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13847 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا ) ، قَالَ : عُظَمَاءَهَا .
13848 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ . 13849 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : ( أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا ) ، قَالَ : عُظَمَاءَهَا . 13850 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : نَزَلَتْ فِي الْمُسْتَهْزِئِينَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : ( أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا ) ، إِلَى قَوْلِهِ : ( بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ ) ، بِدِينِ اللَّهِ ، وَبِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ .
وَالْأَكَابِرُ : جَمْعُ أَكْبَرَ ، كَمَا الْأَفَاضِلُ جَمْعُ أَفْضَلَ . وَلَوْ قِيلَ : هُوَ جَمْعُ كَبِيرٍ ، فَجُمِعَ أَكَابِرَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ : أَكْبَرُ ، كَمَا قِيلَ : ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا ﴾ ، [ سُورَةُ الْكَهْفِ : 103 ] ، وَاحِدُهُمْ الْخَاسِرُ ، لَكَانَ صَوَابًا . وَحُكِيَ عَنِ الْعَرَبِ سَمَاعًا الْأَكَابِرَةُ وَ الْأَصَاغِرَةُ ، وَ الْأَكَابِرُ ، وَ الْأَصَاغِرُ ، بِغَيْرِ الْهَاءِ ، عَلَى نِيَّةِ النَّعْتِ ، كَمَا يُقَالُ : هُوَ أَفْضَلُ مِنْكَ .
وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ بِمَا جَاءَ مِنَ النُّعُوتِ عَلَى أَفْعَلَ ، إِذَا أَخْرَجُوهَا إِلَى الْأَسْمَاءِ ، مِثْلَ جَمْعِهِمُ الْأَحْمَرَ وَ الْأَسْوَدَ ، الْأَحَامِرَ وَ الْأَحَامِرَةَ ، وَ الْأَسَاوِدَ وَ الْأَسَاوِدَةَ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : إِنَّ الْأَحَامِرَةَ الثَّلَاثَةَ أَهْلَكَتْ مَالِي ، وَكُنْتُ بِهِنَّ قِدْمًا مُولَعًا الْخَمْرُ وَاللَّحْمُ السِّمِينُ إِدَامُهُ وَالزَّعْفَرَانُ ، فَلَنْ أَرُوحَ مُبَقَّعَا وَأَمَّا الْمَكْرُ ، فَإِنَّهُ الْخَدِيعَةُ وَالِاحْتِيَالُ لِلْمَمْكُورِ بِهِ بِالْغَدْرِ ، لِيُوَرِّطَهُ الْمَاكِرُ بِهِ مَكْرُوهًا مِنَ الْأَمْرِ .