الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَجَعَلَ هَؤُلَاءِ الْعَادِلُونَ بِرَبِّهِمُ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ لِرَبِّهِمْ ( مِمَّا ذَرَأَ ) خَالِقُهُمْ ، يَعْنِي : مِمَّا خَلَقَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ . يُقَالُ مِنْهُ : ذَرَأَ اللَّهُ الْخَلْقَ يَذْرَؤُهُمْ ذَرْءًا ، وَذَرْوًا ، إِذَا خَلَقَهُمْ . نَصِيبًا ، يَعْنِي قِسْمًا وَجُزْءًا .
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ النَّصِيبِ الَّذِي جَعَلُوا لِلَّهِ ، وَالَّذِي جَعَلُوهُ لِشُرَكَائِهِمْ مِنَ الْأَوْثَانِ وَالشَّيْطَانِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ ذَلِكَ جُزْءًا مِنْ حُرُوثِهِمْ وَأَنْعَامِهِمْ يُفْرِزُونَهُ لِهَذَا ، وَجُزْءًا آخَرَ لِهَذَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13899 - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ ، عَنْ خَصِيفٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ ، الْآيَةَ ، قَالَ : كَانُوا إِذَا أَدْخَلُوا الطَّعَامَ فَجَعَلُوهُ حُزَمًا ، جَعَلُوا مِنْهَا لِلَّهِ سَهْمًا ، وَسَهْمًا لِآلِهَتِهِمْ .
وَكَانَ إِذَا هَبَّتِ الرِّيحُ مِنْ نَحْوِ الَّذِي جَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ إِلَى الَّذِي جَعَلُوهُ لِلَّهِ ، رَدُّوهُ إِلَى الَّذِي جَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ . وَإِذَا هَبَّتِ الرِّيحُ مِنْ نَحْوِ الَّذِي جَعَلُوهُ لِلَّهِ إِلَى الَّذِي جَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ ، أَقَرُّوهُ وَلَمْ يَرُدُّوهُ . فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) .
13900 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا ، قَالَ : جَعَلُوا لِلَّهِ مِنْ ثَمَرَاتِهِمْ وَمَا لَهُمْ نَصِيبًا ، وَلِلشَّيْطَانِ وَالْأَوْثَانِ نَصِيبًا . فَإِنْ سَقَطَ مِنْ ثَمَرَةِ مَا جَعَلُوا لِلَّهِ فِي نَصِيبِ الشَّيْطَانِ تَرَكُوهُ ، وَإِنْ سَقَطَ مِمَّا جَعَلُوهُ لِلشَّيْطَانِ فِي نَصِيبِ اللَّهِ الْتَقَطُوهُ وَحَفِظُوهُ وَرَدُّوهُ إِلَى نَصِيبِ الشَّيْطَانِ ، وَإِنِ انْفَجَرَ مِنْ سَقْيِ مَا جَعَلُوهُ لِلَّهِ فِي نَصِيبِ الشَّيْطَانِ تَرَكُوهُ ، وَإِنِ انْفَجَرَ مِنْ سَقْيِ مَا جَعَلُوهُ لِلشَّيْطَانِ فِي نَصِيبِ اللَّهِ سَدُّوهُ . فَهَذَا مَا جَعَلُوا مِنَ الْحُرُوثِ وَسَقْيِ الْمَاءِ .
وَأَمَّا مَا جَعَلُوا لِلشَّيْطَانِ مِنَ الْأَنْعَامِ فَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ : مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ ، [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 103 ] . 13901 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ ، الْآيَةَ ، وَذَلِكَ أَنَّ أَعْدَاءَ اللَّهِ كَانُوا إِذَا احْتَرَثُوا حَرْثًا ، أَوْ كَانَتْ لَهُمْ ثَمَرَةٌ ، جَعَلُوا لِلَّهِ مِنْهَا جُزْءًا وَلِلْوَثَنِ جُزْءًا ، فَمَا كَانَ مِنْ حَرْثٍ أَوْ ثَمَرَةٍ أَوْ شَيْءٍ مِنْ نَصِيبِ الْأَوْثَانِ حَفِظُوهُ وَأَحْصَوْهُ . فَإِنْ سَقَطَ مِنْهُ شَيْءٌ فِيمَا سُمِّيَ لِلَّهِ رَدُّوهُ إِلَى مَا جَعَلُوا لِلْوَثَنِ .
وَإِنْ سَبْقَهُمُ الْمَاءُ إِلَى الَّذِي جَعَلُوهُ لِلْوَثَنِ ، فَسَقَى شَيْئًا جَعَلُوهُ لِلَّهِ . جَعَلُوا ذَلِكَ لِلْوَثَنِ ، وَإِنْ سَقَطَ شَيْءٌ مِنَ الْحَرْثِ وَالثَّمَرَةِ الَّتِي جَعَلُوا لِلَّهِ . فَاخْتَلَطَ بِالَّذِي جَعَلُوا لِلْوَثَنِ ، قَالُوا : هَذَا فَقِيرٌ ! وَلَمْ يَرُدُّوهُ إِلَى مَا جَعَلُوا لِلَّهِ .
وَإِنْ سَبْقَهُمُ الْمَاءُ الَّذِي جَعَلُوا لِلَّهِ فَسَقَى مَا سُمِّيَ لِلْوَثَنِ ، تَرَكُوهُ لِلْوَثَنِ . وَكَانُوا يُحَرِّمُونَ مِنْ أَنْعَامِهِمُ الْبَحِيرَةَ وَالسَّائِبَةَ وَالْوَصِيلَةَ وَالِحَامِ ، فَيَجْعَلُونَهُ لِلْأَوْثَانِ ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُحَرِّمُونَهُ لِلَّهِ . فَقَالَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ : وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا ، الْآيَةَ .
13902 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا ، قَالَ : يُسَمُّونَ لِلَّهِ جُزْءًا مِنَ الْحَرْثِ ، وَلِشُرَكَائِهِمْ وَأَوْثَانِهِمْ جُزْءًا ، فَمَا ذَهَبَتْ بِهِ الرِّيحُ مِمَّا سَمَّوْا لِلَّهِ إِلَى جُزْءِ أَوْثَانِهِمْ تَرَكُوهُ ، وَمَا ذَهَبَ مِنْ جُزْءِ أَوْثَانِهِمْ إِلَى جُزْءِ اللَّهِ رَدُّوهُ ، وَقَالُوا : اللَّهُ عَنْ هَذَا غَنِيٌّ ! . وَالْأَنْعَامِ : السَّائِبَةُ وَالْبَحِيرَةُ الَّتِي سَمَّوْا . 13903 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، نَحْوَهُ .
13904 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا ، الْآيَةَ ، عَمَدَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالَةِ فَجَزَّءُوا مِنْ حُرُوثِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ جُزْءًا لِلَّهِ وَجُزْءًا لِشُرَكَائِهِمْ . وَكَانُوا إِذَا خَالَطَ شَيْءٌ مِمَّا جَزَّءُوا لِلَّهِ فِيمَا جَزَّءُوا لِشُرَكَائِهِمْ خَلَّوْهُ . فَإِذَا خَالَطَ شَيْءٌ مِمَّا جَزَّءُوا لِشُرَكَائِهِمْ فِيمَا جَزَّءُوا لِلَّهِ رَدُّوهُ عَلَى شُرَكَائِهِمْ .
وَكَانُوا إِذَا أَصَابَتْهُمُ السَّنَةُ اسْتَعَانُوا بِمَا جَزَّءُوا لِلَّهِ ، وَأَقَرُّوا مَا جَزَّءُوا لِشُرَكَائِهِمْ ، قَالَ اللَّهُ : ( سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) . 13905 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا ، قَالَ : كَانُوا يُجَزِّئُونَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا ، فَيَقُولُونَ : هَذَا لِلَّهِ ، وَهَذَا لِلْأَصْنَامِ ، الَّتِي يَعْبُدُونَ . فَإِذَا ذَهَبَ بَعِيرٌ مِمَّا جَعَلُوا لِشُرَكَائِهِمْ ، فَخَالَطَ مَا جَعَلُوا لِلَّهِ رَدُّوهُ .
وَإِنْ ذَهَبَ مِمَّا جَعَلُوهُ لِلَّهِ فَخَالَطَ شَيْئًا مِمَّا جَعَلُوهُ لِشُرَكَائِهِمْ تَرَكُوهُ . وَإِنْ أَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ ، أَكَلُوا مَا جَعَلُوا لِلَّهِ ، وَتَرَكُوا مَا جَعَلُوا لِشُرَكَائِهِمْ ، فَقَالَ اللَّهُ : ( سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) . 13906 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا إِلَى ( يَحْكُمُونَ ) ، قَالَ : كَانُوا يُقَسِّمُونَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ قِسْمًا فَيَجْعَلُونَهُ لِلَّهِ ، وَيَزْرَعُونَ زَرْعًا فَيَجْعَلُونَهُ لِلَّهِ ، وَيَجْعَلُونَ لِآلِهَتِهِمْ مِثْلَ ذَلِكَ .
فَمَا خَرَجَ لِلْآلِهَةِ أَنْفَقُوهُ عَلَيْهَا ، وَمَا خَرَجَ لِلَّهِ تَصَدَّقُوا بِهِ . فَإِذَا هَلَكَ الَّذِي يَصْنَعُونَ لِشُرَكَائِهِمْ ، وَكَثُرَ الَّذِي لِلَّهِ قَالُوا : لَيْسَ بُدٌّ لِآلِهَتِنَا مِنْ نَفَقَةٍ ، وَأَخَذُوا الَّذِي لِلَّهِ فَأَنْفَقُوهُ عَلَى آلِهَتِهِمْ . وَإِذَا أَجْدَبَ الَّذِي لِلَّهِ ، وَكَثُرَ الَّذِي لِآلِهَتِهِمْ ، قَالُوا : لَوْ شَاءَ أَزْكَى الَّذِي لَهُ ! فَلَا يَرُدُّونَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِمَّا لِلْآلِهَةِ .
قَالَ اللَّهُ : لَوْ كَانُوا صَادِقِينَ فِيمَا قَسَّمُوا ، لَبِئْسَ إِذًا مَا حَكَمُوا : أَنْ يَأْخُذُوا مِنِّي وَلَا يُعْطُونِي . فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ : ( سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) . وَقَالَ آخَرُونَ : النَّصِيبُ الَّذِي كَانُوا يَجْعَلُونَهُ لِلَّهِ فَكَانَ يَصِلُ مِنْهُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ : أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَأْكُلُونَ مَا ذَبَحُوا لِلَّهِ حَتَّى يُسَمُّوا الْآلِهَةَ ، وَكَانُوا مَا ذَبَحُوهُ لِلْآلِهَةِ يَأْكُلُونَهُ وَلَا يُسَمُّونَ اللَّهَ عَلَيْهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13907 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا حَتَّى بَلَغَ : وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ ، قَالَ : كُلُّ شَيْءٍ جَعَلُوهُ لِلَّهِ مِنْ ذِبْحٍ يَذْبَحُونَهُ ، لَا يَأْكُلُونَهُ أَبَدًا حَتَّى يَذْكُرُوا مَعَهُ أَسْمَاءَ الْآلِهَةِ . وَمَا كَانَ لِلْآلِهَةِ لَمْ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ مَعَهُ ، وَقَرَأَ الْآيَةَ حَتَّى بَلَغَ : ( سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَنْ قَالَ بِمِثْلِ قَوْلِهِ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ جَعَلُوا لِلَّهِ مِنْ حَرْثِهِمْ وَأَنْعَامِهِمْ قِسْمًا مُقَدَّرًا ، فَقَالُوا : هَذَا لِلَّهِ وَجَعَلُوا مِثْلَهُ لِشُرَكَائِهِمْ ، وَهُمْ أَوْثَانُهُمْ ، بِإِجْمَاعٍ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَيْهِ ، فَقَالُوا : هَذَا لِشُرَكَائِنَا وَإِنَّ نَصِيبَ شُرَكَائِهِمْ لَا يَصِلُ مِنْهُ إِلَى اللَّهِ ، بِمَعْنَى : لَا يَصِلُ إِلَى نَصِيبِ اللَّهِ ، وَمَا كَانَ لِلَّهِ وَصَلَ إِلَى نَصِيبِ شُرَكَائِهِمْ .
فَلَوْ كَانَ وُصُولُ ذَلِكَ بِالتَّسْمِيَةِ وَتَرْكِ التَّسْمِيَةِ ، كَانَ أَعْيَانُ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ ، جَائِزًا أَنْ تَكُونَ قَدْ وَصَلَتْ ، وَمَا أَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ قَدْ وَصَلَ ، لَمْ يَصِلْ . وَذَلِكَ خِلَافُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْكَلَامِ ؛ لِأَنَّ الذَّبِيحَتَيْنِ تُذْبَحُ إِحْدَاهُمَا لِلَّهِ ، وَالْأُخْرَى لِلْآلِهَةِ ، جَائِزٌ أَنْ تَكُونَ لُحُومُهُمَا قَدِ اخْتَلَطَتْ ، وَخَلَطُوهَا إِذْ كَانَ الْمَكْرُوهُ عِنْدَهُمْ تَسْمِيَةَ اللَّهِ عَلَى مَا كَانَ مَذْبُوحًا لِلْآلِهَةِ ، دُونَ اخْتِلَاطِ الْأَعْيَانِ وَاتِّصَالِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) ، فَإِنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ فِعْلِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ .
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَقَدْ أَسَاءُوا فِي حُكْمِهِمْ ، إِذْ أَخَذُوا مِنْ نَصِيبِي لِشُرَكَائِهِمْ ، وَلَمْ يُعْطُونِي مِنْ نَصِيبِ شُرَكَائِهِمْ . وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ الْخَبَرَ عَنْ جَهْلِهِمْ وَضَلَالَتِهِمْ ، وَذَهَابِهِمْ عَنْ سَبِيلِ الْحَقِّ ، بِأَنَّهُمْ لَمْ يَرْضَوْا أَنْ عَدَلُوا بِمَنْ خَلَقَهُمْ وَغَذَّاهُمْ ، وَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالنِّعَمُ الَّتِي لَا تُحْصَى ، مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ ، حَتَّى فَضَّلُوهُ فِي أَقْسَامِهِمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ بِالْقَسْمِ عَلَيْهِ .