الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : يَا بَنِي آدَمَ ، لَا يَخْدَعَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ فَيُبْدِي سَوْآتِكُمْ لِلنَّاسِ بِطَاعَتِكُمْ إِيَّاهُ عِنْدَ اخْتِبَارِهِ لَكُمْ ، كَمَا فَعَلَ بِأَبَوَيْكُمْ آدَمَ وَحَوَّاءَ عِنْدَ اخْتِبَارِهِ إِيَّاهُمَا فَأَطَاعَاهُ وَعَصَيَا رَبَّهُمَا ، فَأَخْرَجَهُمَا - بِمَا سَبَّبَ لَهُمَا مِنْ مَكْرِهِ وَخُدَعِهِ - مِنَ الْجَنَّةِ ، وَنَزَعَ عَنْهُمَا مَا كَانَ أَلْبَسَهُمَا مِنَ اللِّبَاسِ ، لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا بِكَشْفِ عَوْرَتِهِمَا ، وَإِظْهَارِهَا لِأَعْيُنِهِمَا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُسْتَتِرَةً . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ مَعْنَى الْفِتْنَةِ ، الِاخْتِبَارُ وَالِابْتِلَاءُ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ اللِّبَاسِ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ نَزَعَهُ عَنْ أَبَوَيْنَا ، وَمَا كَانَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ ذَلِكَ أَظْفَارًا . ذِكْرُ مَنْ لَمْ يُذْكَرْ قَوْلُهُ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فِي ذَلِكَ : 14451 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : يَنْـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ، قَالَ : لِبَاسَ كُلِّ دَابَّةٍ مِنْهَا ، وَلِبَاسُ الْإِنْسَانِ الظُّفْرُ ، فَأَدْرَكَتْ آدَمَ التَّوْبَةُ عِنْدَ ظُفُرِهِ أَوْ قَالَ : أَظْفَارِهِ . 14452 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ ، عَنْ نَضْرٍ أَبِي عُمَرَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : تُرِكَتْ أَظْفَارُهُ عَلَيْهِ زِينَةً وَمَنَافِعَ ، فِي قَوْلِهِ : يَنْـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا .
14453 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْقُرَشِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْوَزِيرِ قَالَ ، أَخْبَرَنَا مُخَلَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : يَنْـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ، قَالَ : كَانَ لِبَاسُهُمَا الظُّفْرَ ، فَلَمَّا أَصَابَا الْخَطِيئَةَ نُزِعَ عَنْهُمَا ، وَتُرِكَتِ الْأَظْفَارُ تَذْكِرَةً وَزِينَةً . 14454 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحِمَّانِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ : يَنْـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ، قَالَ : كَانَ لِبَاسُهُ الظُّفْرَ ، فَانْتَهَتْ تَوْبَتُهُ إِلَى أَظْفَارِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَ لِبَاسَهُمَا نُورًا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14455 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ : يَنْـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ، النُّورَ . 14456 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ ، سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : يَنْـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ، قَالَ : كَانَ لِبَاسُ آدَمَ وَحَوَّاءَ نُورًا عَلَى فُرُوجِهِمَا ، لَا يَرَى هَذَا عَوْرَةَ هَذِهِ ، وَلَا هَذِهِ عَوْرَةَ هَذَا . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ : يَنْـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ، يَسْلُبُهُمَا تَقْوَى اللَّهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14457 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : يَنْـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ، قَالَ : التَّقْوَى . 14458 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : يَنْـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ، قَالَ : التَّقْوَى . 14459 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحِمَّانِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَذَّرَ عِبَادَهُ أَنْ يَفْتِنَهُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا فَتَنَ أَبَوَيْهِمْ آدَمَ وَحَوَّاءَ ، وَأَنْ يُجَرِّدَهُمْ مِنْ لِبَاسِ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَيْهِمْ ، كَمَا نَزَعَ عَنْ أَبَوَيْهِمْ لِبَاسَهُمَا . اللِّبَاسُ الْمُطْلَقُ مِنَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ إِلَى شَيْءٍ فِي مُتَعَارَفِ النَّاسِ ، وَهُوَ مَا اجْتَابَ فِيهِ اللَّابِسُ مِنْ أَنْوَاعِ الكُسَى ، أَوْ غَطَّى بَدَنَهُ أَوْ بَعْضَهُ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَالْحَقُّ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ آدَمَ وَحَوَّاءَ مِنْ لِبَاسِهِمَا الَّذِي نَزَعَهُ عَنْهُمَا الشَّيْطَانُ ، هُوَ بَعْضُ مَا كَانَا يُوَارِيَانِ بِهِ أَبْدَانَهُمَا وَعَوْرَتَهُمَا .
أَخْبَرَنَا وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ ظُفُرًا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَانَ ذَلِكَ نُورًا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ ذَلِكَ وَلَا خَبَرَ عِنْدَنَا بِأَيِ ذَلِكَ تَثْبُتُ بِهِ الْحُجَّةُ ، فَلَا قَوْلَ فِي ذَلِكَ أَصْوَبُ مِنْ أَنْ يُقَالَ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يَنْـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا . وَأَضَافَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِلَى إِبْلِيسَ إِخْرَاجَ آدَمَ وَحَوَّاءَ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَنَزْعَ مَا كَانَ عَلَيْهِمَا مِنَ اللِّبَاسِ عَنْهُمَا ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ هُوَ الْفَاعِلُ ذَلِكَ بِهِمَا عُقُوبَةً عَلَى مَعْصِيَتِهِمَا إِيَّاهُ ، إِذْ كَانَ الَّذِي كَانَ مِنْهُمَا فِي ذَلِكَ عَنْ تَسْنِيَةِ ذَلِكَ لَهُمَا بِمَكْرِهِ وَخِدَاعِهِ ، فَأُضِيفَ إِلَيْهِ أَحْيَانًا بِذَلِكَ الْمَعْنَى ، وَإِلَى اللَّهِ أَحْيَانًا بِفِعْلِهِ ذَلِكَ بِهِمَا . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ( 27 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ : إِنَّ الشَّيْطَانَ يَرَاكُمْ هُوَ ، وَ الْهَاءُ فِي إِنَّهُ عَائِدَةٌ عَلَى الشَّيْطَانِ وَ قَبِيلِهِ ، يَعْنِي : وَصِنْفُهُ وَجِنْسُهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُ وَاحِدٌ جَمَعَ جِيلًا وَهُمُ الْجِنُّ ، كَمَا : - 14460 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ ، قَالَ : الْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ .
14461 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ ، قَالَ : قَبِيلُهُ ، نَسْلُهُ . وَقَوْلُهُ : مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ، يَقُولُ : مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَ أَنْتُمْ ، أَيُّهَا النَّاسُ ، الشَّيْطَانَ وَقَبِيلَهُ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ، يَقُولُ : جَعَلَنَا الشَّيَاطِينَ نُصَرَاءَ الْكُفَّارِ الَّذِينَ لَا يُوَحِّدُونَ اللَّهَ وَلَا يُصَدِّقُونَ رُسُلَهُ .