الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُعَرِّفًا خَلْقَهُ مَا أَعَدَّ لِحِزْبِهِ وَأَهْلِ طَاعَتِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ ، وَمَا أَعَدَّ لِحِزْبِ الشَّيْطَانِ وَأَوْلِيَائِهِ وَالْكَافِرِينَ بِهِ وَبِرُسُلِهِ : يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ، يَقُولُ : إِنْ يَجِئْكُمْ رُسُلِي الَّذِينَ أُرْسِلُهُمْ إِلَيْكُمْ بِدُعَائِكُمْ إِلَى طَاعَتِي ، وَالِانْتِهَاءِ إِلَى أَمْرِي وَنَهْيِي مِنْكُمْ ، يَعْنِي : مِنْ أَنْفُسِكُمْ ، وَمِنْ عَشَائِرِكُمْ وَقَبَائِلِكُمْ ( يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ) ، يَقُولُ : يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ كِتَابِي ، وَيُعَرِّفُونَكُمْ أَدِلَّتِي وَأَعْلَامِي عَلَى صِدْقِ مَا جَاءُوكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي ، وَحَقِيقَةَ مَا دَعَوْكُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ ، يَقُولُ : فَمَنْ آمَنَ مِنْكُمْ بِمَا أَتَاهُ بِهِ رُسُلِي مِمَّا قَصَّ عَلَيْهِ مِنْ آيَاتِي ، وَصَدَّقَ ، وَاتَّقَى اللَّهَ فَخَافَهُ بِالْعَمَلِ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ( وَأَصْلَحَ ) ، يَقُولُ : وَأَصْلَحَ أَعْمَالَهُ الَّتِي كَانَ لَهَا مُفْسِدًا قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ بِالتَّحَوُّبِ مِنْهَا ( فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) ، يَقُولُ : فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ إِذَا وَرَدُوا عَلَيْهِ ( وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) ، عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنْ دُنْيَاهُمُ الَّتِي تَرَكُوهَا ، وَشَهَوَاتِهِمُ الَّتِي تَجَنَّبُوهَا ، اتِّبَاعًا مِنْهُمْ لِنَهْيِ اللَّهِ عَنْهَا ، إِذَا عَايَنُوا مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ مَا عَايَنُوا هُنَالِكَ . 14554 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قَالَ ، حَدَّثَنَا هَيَّاجٌ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ أَبِي سَيَّارٍ السُّلَمِيِّ قَالَ ، إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ فِي كَفِّهِ فَقَالَ : ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الرُّسُلِ فَقَالَ : أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ﴾ ، [ سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ : 51 - 52 ] ، ثُمَّ بَثَّهُمْ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : مَا جَوَابُ قَوْلِهِ : إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ؟ قِيلَ : قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي ذَلِكَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ : الْجَوَابُ مُضْمَرٌ ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ظَهَرَ مِنَ الْكَلَامِ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ . وَذَلِكَ لِأَنَّهُ حِينَ قَالَ : فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ ، كَأَنَّهُ قَالَ : فَأَطِيعُوهُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : الْجَوَابُ : فَمَنِ اتَّقَى ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ : فَمَنِ اتَّقَى مِنْكُمْ وَأَصْلَحَ .
قَالَ : وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، تَبْعِيضُهُ الْكَلَامَ ، فَكَانَ فِي التَّبْعِيضِ اكْتِفَاءٌ مِنْ ذِكْرِ مِنْكُمْ .