الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ . . . . "
) وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَأْوِيلُهُ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، أَيْ : وَأَنْتَ مُقِيمٌ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ . قَالَ : وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُقِيمٌ بِمَكَّةَ .
قَالَ : ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ ، فَاسْتَغْفَرَ مَنْ بِهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَأَنْزَلَ بَعْدَ خُرُوجِهِ عَلَيْهِ ، حِينَ اسْتَغْفَرَ أُولَئِكَ بِهَا : وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ . قَالَ : ثُمَّ خَرَجَ أُولَئِكَ الْبَقِيَّةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَيْنِهِمْ ، فَعَذَّبَ الْكُفَّارَ . * ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ .
15990 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ ، عَنِ ابْنِ أَبْزَى قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، قَالَ : فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ . قَالَ : فَكَانَ أُولَئِكَ الْبَقِيَّةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ بَقُوا فِيهَا يَسْتَغْفِرُونَ يَعْنِي بِمَكَّةَ فَلَمَّا خَرَجُوا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ : وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ . قَالَ : فَأَذِنَ اللَّهُ لَهُ فِي فَتْحِ مَكَّةَ ، فَهُوَ الْعَذَابُ الَّذِي وَعَدَهُمْ .
15991 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ، يَعْنِي : مَنْ بِهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ، يَعْنِي مَكَّةَ ، وَفِيهِمُ الْكُفَّارُ . 15992 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ ، يَعْنِي : أَهْلَ مَكَّةَ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ ، وَفِيهِمُ الْمُؤْمِنُونَ ، يَسْتَغْفِرُونَ ، يُغْفَرُ لِمَنْ فِيهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . 15993 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الرَّازِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ الْحَفْرِيُّ ، عَنْ يَعْقُوبَ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنِ ابْنِ أَبْزَى : وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ، قَالَ : بَقِيَّةُ مَنْ بَقِيَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ .
فَلَمَّا خَرَجُوا قَالَ : وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ . 15994 - . قَالَ ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، قَالَ : أَهْلُ مَكَّةَ .
15995 - . وَأَخْبَرَنَا أَبِي ، عَنْ سَلَمَةَ بْنَ نَبِيطٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ : وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ، قَالَ : الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، قَالَ : الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ . 15996 - .
قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ : وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ قَالَ : الْمُؤْمِنُونَ يَسْتَغْفِرُونَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ . 15997 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ ، حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ، يَقُولُ : الَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ يَسْتَغْفِرُونَ بِمَكَّةَ ، حَتَّى أَخْرَجَكَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ . 15998 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : ابْنُ عَبَّاسٍ : لَمْ يُعَذِّبْ قَرْيَةً حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ مِنْهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ، وَيُلْحِقَهُ بِحَيْثُ أُمِرَ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ، يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ .
ثُمَّ أَعَادَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ : وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ . 15999 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، قَالَ : يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ . * * * وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، يَا مُحَمَّدُ ، حَتَّى أَخْرَجَكَ مِنْ بَيْنِهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ ، وَهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ ، يَقُولُونَ : يَا رَبِّ غُفْرَانَكَ ! ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي الِاسْتِغْفَارِ بِالْقَوْلِ .
قَالُوا : وَقَوْلُهُ : وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ، فِي الْآخِرَةِ . * ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 16000 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ ، عَنْ أَبِي زُمَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ يَقُولُونَ : لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ ، لَا شَرِيكَ لَكَ ، فَيَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ قَدْ ! فَيَقُولُونَ : إِلَّا شَرِيكٌ هُوَ لَكَ ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ ، وَيَقُولُونَ : غُفْرَانَكَ ، غُفْرَانَكَ ! ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾.
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانَ فِيهِمْ أَمَانَانِ : نَبِيُّ اللَّهِ ، وَالِاسْتِغْفَارُ . قَالَ : فَذَهَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَقِيَ الِاسْتِغْفَارُ وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ ، قَالَ : فَهَذَا عَذَابُ الْآخِرَةِ . قَالَ : وَذَاكَ عَذَابُ الدُّنْيَا .
16001 - حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَا قَالَتْ قُرَيْشٌ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ : مُحَمَّدُ أَكْرَمَهُ اللَّهُ مِنْ بَيْنِنَا : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا الْآيَةَ . فَلَمَّا أَمْسَوْا نَدِمُوا عَلَى مَا قَالُوا ، فَقَالُوا : غُفْرَانَكَ اللَّهُمَّ ! ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ إِلَى قَوْلِهِ : لَا يَعْلَمُونَ . 16002 - حَدَّثَنِي ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : كَانُوا يَقُولُونَ يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ : وَاللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُنَا وَنَحْنُ نَسْتَغْفِرُ ، وَلَا يُعَذِّبُ أُمَّةً وَنَبِيُّهَا مَعَهَا حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْهَا ! وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ ، وَرَسُولٌ لِلَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ .
فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَذْكُرُ لَهُ جَهَالَتَهُمْ وَغِرَّتَهُمْ وَاسْتِفْتَاحَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، إِذْ قَالُوا : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ ، كَمَا أَمْطَرْتَهَا عَلَى قَوْمِ لُوطٍ . وَقَالَ حِينَ نَعَى عَلَيْهِمْ سُوءَ أَعْمَالِهِمْ : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ ، أَيْ : لِقَوْلِهِمْ : [ إِنَّا نَسْتَغْفِرُ وَمُحَمَّدٌ بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ، وَإِنْ كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ ] ، وَإِنْ كَانُوا يَسْتَغْفِرُونَ كَمَا يَقُولُونَ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، أَيْ : مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَعَبَدَهُ ، أَيْ : أَنْتَ وَمَنْ تَبِعَكَ . 16003 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّارُ .
قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : إِنَّهُ كَانَ قَبْلُ أَمَانَانِ ، قَوْلُهُ : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ قَالَ : أَمَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ مَضَى ، وَأَمَّا الِاسْتِغْفَارُ فَهُوَ دَائِرٌ فِيكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . 16004 - حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَامِرٍ أَبِي الْخَطَّابِ الثَّوْرِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا الْعَلَاءِ يَقُولُ : كَانَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَنَتَانِ : فَذَهَبَتْ إِحْدَاهُمَا وَبَقِيَتِ الْأُخْرَى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، الْآيَةَ . * * * وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، يَا مُحَمَّدُ ، وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَ الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ أَيْ : لَوِ اسْتَغْفَرُوا .
قَالُوا : وَلَمْ يَكُونُوا يَسْتَغْفِرُونَ ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِذْ لَمْ يَكُونُوا يَسْتَغْفِرُونَ : وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ . * ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 16005 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ ، قَالَ : إِنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَكُونُوا يَسْتَغْفِرُونَ ، وَلَوْ كَانُوا يَسْتَغْفِرُونَ مَا عُذِّبُوا .
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ : هَمَّا أَمَانَانِ أَنْزَلَهُمَا اللَّهُ : فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَمَضَى ، نَبِيُّ اللَّهِ . وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَبْقَاهُ اللَّهُ رَحْمَةً بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ، الِاسْتِغْفَارُ وَالتَّوْبَةُ . 16006 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : قَالَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ ، يَقُولُ : مَا كُنْتُ أُعَذِّبُهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ، وَلَوِ اسْتَغْفَرُوا وَأَقَرُّوا بِالذُّنُوبِ لَكَانُوا مُؤْمِنِينَ ، وَكَيْفَ لَا أُعَذِّبُهُمْ وَهُمْ لَا يَسْتَغْفِرُونَ ؟ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَعَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ؟ 16007 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ ، قَالَ يَقُولُ : لَوِ اسْتَغْفَرُوا لَمْ أُعَذِّبْهُمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يُسَلِّمُونَ . قَالُوا : وَ اسْتِغْفَارُهُمْ ، كَانَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، إِسْلَامَهُمْ . * ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ .
16008 - حَدَّثَنَا سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُدَيْرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، فِي قَوْلِهِ : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ ، قَالَ : سَأَلُوا الْعَذَابَ ، فَقَالَ : لَمْ يَكُنْ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، وَلَمْ يَكُنْ لِيُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَدْخُلُونَ فِي الْإِسْلَامِ . 16009 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : وَأَنْتَ فِيهِمْ ، قَالَ : بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَقَوْلُهُ : وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ، قَالَ : يُسَلِّمُونَ . 16010 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ، قَالَ : وَهُمْ يُسَلِّمُونَ وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ ، قُرَيْشٌ ، عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ .
16011 - حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، قَالَ : بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ، قَالَ : دُخُولُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ . * * * وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَفِيهِمْ مَنْ قَدْ سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ الدُّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ . * ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ .
16012 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلَهُ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، يَقُولُ : مَا كَانَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ يُعَذِّبُ قَوْمًا وَأَنْبِيَاؤُهُمْ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ حَتَّى يُخْرِجَهُمْ . ثُمَّ قَالَ : وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ، يَقُولُ : وَمِنْهُمْ مَنْ قَدْ سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ الدُّخُولُ فِي الْإِيمَانِ ، وَهُوَ الِاسْتِغْفَارُ . ثُمَّ قَالَ : وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ، فَعَذَّبَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ بِالسَّيْفِ .
* * * وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ . * ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 16013 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلَهُ : وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ، يَعْنِي : يُصَلُّونَ ، يَعْنِي بِهَذَا أَهْلَ مَكَّةَ .
16014 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ ، قَالَ : يُصَلُّونَ . 16015 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ ، سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ ، سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، يَعْنِي : أَهْلَ مَكَّةَ . يَقُولُ : لَمْ أَكُنْ لِأُعَذِّبَكُمْ وَفِيكُمْ مُحَمَّدٌ .
ثُمَّ قَالَ : وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ، يَعْنِي : يُؤْمِنُونَ وَيُصَلُّونَ . 16016 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ، قَالَ : وَهُمْ يُصَلُّونَ . * * * وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ .
قَالُوا : ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ . * ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 16017 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَا قَالَ فِي الْأَنْفَالِ : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ ، فَنَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي تَلِيهَا : وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ، إِلَى قَوْلِهِ : فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ، فَقُوتِلُوا بِمَكَّةَ ، وَأَصَابَهُمْ فِيهَا الْجُوعُ وَالْحَصْرُ .
* * * قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : تَأْوِيلُهُ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، يَا مُحَمَّدُ ، وَبَيْنَ أَظْهُرِهِمْ مُقِيمٌ ، حَتَّى أَخْرَجَكَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ ، لِأَنِّي لَا أُهْلِكُ قَرْيَةً وَفِيهَا نَبِيُّهَا وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ، مِنْ ذُنُوبِهِمْ وَكُفْرِهِمْ ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَغْفِرُونَ مِنْ ذَلِكَ ، بَلْ هُمْ مُصِرُّونَ عَلَيْهِ ، فَهُمْ لِلْعَذَابِ مُسْتَحِقُّونَ كَمَا يُقَالُ : مَا كُنْتُ لِأُحْسِنَ إِلَيْكَ وَأَنْتَ تُسِيءُ إِلَيَّ ، يُرَادُ بِذَلِكَ : لَا أُحْسِنُ إِلَيْكَ ، إِذَا أَسَأْتَ إِلَيَّ ، وَلَوْ أَسَأْتَ إِلَيَّ لَمْ أُحْسِنْ إِلَيْكَ ، وَلَكِنْ أُحْسِنُ إِلَيْكَ لِأَنَّكَ لَا تُسِيءُ إِلَيَّ . وَكَذَلِكَ ذَلِكَ ثُمَّ قِيلَ : وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، بِمَعْنَى : وَمَا شَأْنُهُمْ ، وَمَا يَمْنَعُهُمْ أَنْ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ لَا يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ مِنْ كُفْرِهِمْ فَيُؤْمِنُوا بِهِ ، وَهُمْ يَصُدُّونَ الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ؟ وَإِنَّمَا قُلْنَا : هَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ، لِأَنَّ الْقَوْمَ أَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ كَانُوا اسْتَعْجَلُوا الْعَذَابَ ، فَقَالُوا : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ هُوَ الْحَقَّ ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ : مَا كُنْتُ لِأُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، وَمَا كُنْتُ لِأُعَذِّبَهُمْ لَوِ اسْتَغْفَرُوا ، وَكَيْفَ لَا أُعَذِّبُهُمْ بَعْدَ إِخْرَاجِكَ مِنْهُمْ ، وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ؟ . فَأَعْلَمَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ الَّذِي اسْتَعْجَلُوا الْعَذَابَ حَائِقٌ بِهِمْ وَنَازِلٌ ، وَأَعْلَمَهُمْ حَالَ نُزُولِهِ بِهِمْ ، وَذَلِكَ بَعْدَ إِخْرَاجِهِ إِيَّاهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ .
وَلَا وَجْهَ لِإِيعَادِهِمُ الْعَذَابَ فِي الْآخِرَةِ ، وَهُمْ مُسْتَعْجِلُوهُ فِي الْعَاجِلِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَى الْعَذَابِ صَائِرُونَ . بَلْ فِي تَعْجِيلِ اللَّهِ لَهُمْ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ ، الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ مَا قُلْنَا . وَكَذَلِكَ لَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ وَجَّهَ قَوْلَهُ : وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ، إِلَى أَنَّهُ عَنَى بِهِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَهُوَ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ ، وَعَمَّا اللَّهُ فَاعِلٌ بِهِمْ .
وَلَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ عَنْهُمْ قَدْ تَقَضَّى ، وَعَلَى ذَلِكَ [ كُنِيَ ] بِهِ عَنْهُمْ ، وَأَنْ لَا خِلَافَ فِي تَأْوِيلِهِ مِنْ أَهْلِهِ مَوْجُودٌ . وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : ذَلِكَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ : وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، الْآيَةَ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ خَبَرٌ ، وَالْخَبَرُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَسْخٌ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ النَّسْخُ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ . * * * وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ دُخُولِ أَنْ فِي قَوْلِهِ : وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ .
فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ : هِيَ زَائِدَةٌ هَهُنَا ، وَقَدْ عَمِلَتْ كَمَا عَمِلَتْ لَا وَهِيَ زَائِدَةٌ ، وَجَاءَ فِي الشِّعْرِ : لَوْ لَمْ تَكُنْ غَطَفَانُ لَا ذُنُوبَ لَهَا إِلَيَّ ، لَامَ ذَوُو أَحْسَابِهَا عُمَرَا وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَقَالَ : لَمْ تَدْخُلْ أَنْ إِلَّا لِمَعْنًى صَحِيحٍ ، لِأَنَّ مَعْنَى : وَمَا لَهُمْ ، مَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ أَنْ يُعَذِّبُوا . قَالَ : فَدَخَلَتْ أَنْ لِهَذَا الْمَعْنَى ، وَأَخْرَجَ بِ لَا ، لِيُعْلَمَ أَنَّهُ بِمَعْنَى الْجَحْدِ ، لِأَنَّ الْمَنْعَ جَحْدٌ . قَالَ : وَ لَا فِي الْبَيْتِ صَحِيحٌ مَعْنَاهَا ، لِأَنَّ الْجَحْدَ إِذَا وَقَعَ عَلَيْهِ جَحْدٌ صَارَ خَبَرًا .
وَقَالَ : أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِكَ : مَا زَيْدٌ لَيْسَ قَائِمًا ، فَقَدْ أَوْجَبْتَ الْقِيَامَ ؟ قَالَ : وَكَذَلِكَ لَا فِي هَذَا الْبَيْتِ . * * *