الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَإِنَّ اللَّهَ ، يَا مُحَمَّدُ ، سَمِيعٌ لِمَا يَقُولُ أَصْحَابُكَ ، عَلِيمٌ بِمَا يُضْمِرُونَهُ ، إِذْ يُرِيكَ اللَّهُ عَدُوَّكَ وَعَدُوَّهُمْ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا ، يَقُولُ : يُرِيكَهُمْ فِي نَوْمِكَ قَلِيلًا فَتُخْبِرُهُمْ بِذَلِكَ ، حَتَّى قَوِيَتْ قُلُوبُهُمْ ، وَاجْتَرَأُوا عَلَى حَرْبِ عَدُوِّهِمْ وَلَوْ أَرَاكَ رَبُّكَ عَدُوَّكَ وَعَدُوَّهُمْ كَثِيرًا ، لَفَشِلَ أَصْحَابُكَ ، فَجَبُنُوا وَخَامُوا ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى حَرْبِ الْقَوْمِ ، وَلَتَنَازَعُوا فِي ذَلِكَ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَهُمْ مِنْ ذَلِكَ بِمَا أَرَاكَ فِي مَنَامِكَ مِنَ الرُّؤْيَا ، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِمَا تُجِنُّهُ الصُّدُورُ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا تُضْمِرُهُ الْقُلُوبُ . * * * وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلا ، أَيْ : فِي عَيْنِكَ الَّتِي تَنَامُ بِهَا فَصَيَّرَ الْمَنَامَ ، هُوَ الْعَيْنُ ، كَأَنَّهُ أَرَادَ : إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي عَيْنِكَ قَلِيلًا . * * * وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
* ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16150 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلا ، قَالَ : أَرَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُمْ فِي مَنَامِهِ قَلِيلًا فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ ، فَكَانَ تَثْبِيتًا لَهُمْ . 16151 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، بِنَحْوِهِ . 16152 - .
وَقَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ وَرْقَاءَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ . 16153 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلا ، الْآيَةَ ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا أَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ نِعْمَةً مِنْ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ ، شَجَّعَهُمْ بِهَا عَلَى عَدُوِّهِمْ ، وَكَفَّ بِهَا مَا تُخُوِّفَ عَلَيْهِمْ مِنْ ضَعْفِهِمْ ، لِعِلْمِهِ بِمَا فِيهِمْ . * * * وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَمْرَهُمْ ، حَتَّى أَظْهَرَهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ . * ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16154 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ ، حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ ، يَقُولُ : سَلَّمَ اللَّهُ لَهُمْ أَمْرَهُمْ حَتَّى أَظْهَرَهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ . * * * وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ أَمْرَهُ فِيهِمْ .
* ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16155 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ ، قَالَ : سَلَّمَ أَمْرَهُ فِيهِمْ . * * * قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ سَلَّمَ الْقَوْمَ بِمَا أَرَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنَامِهِ مِنَ الْفَشَلِ وَالتَّنَازُعِ ، حَتَّى قَوِيَتْ قُلُوبُهُمْ ، وَاجْتَرَأُوا عَلَى حَرْبِ عَدُوِّهِمْ . وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ : وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ عَقِيبُ قَوْلِهِ : وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ ، فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالْخَبَرِ عَنْهُ ، أَنَّهُ سَلَّمَهُمْ مِنْهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، مَا كَانَ مُخَوِّفًا مِنْهُ لَوْ لَمْ يُرِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قِلَّةِ الْقَوْمِ فِي مَنَامِهِ .
* * *