الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ . فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ : وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ بِكَسْرِ الْأَلِفِ مِنْ إِنَّهُمْ ، وَبِالتَّاءِ فِي تَحْسَبَنَّ بِمَعْنَى : وَلَا تَحْسَبَنَّ ، يَا مُحَمَّدُ ، الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُونَا فَفَاتُونَا بِأَنْفُسِهِمْ ، ثُمَّ ابْتُدِئَ الْخَبَرُ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَقِيلَ : إِنَّ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةَ لَا يُعْجِزُونَ رَبَّهُمْ ، إِذَا طَلَبَهُمْ وَأَرَادَ تَعْذِيبَهُمْ وَإِهْلَاكَهُمْ ، بِأَنْفُسِهِمْ فَيَفُوتُوهُ بِهَا . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قَرَأَةِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ، بِالْيَاءِ فِي يَحْسَبَنَّ ، وَكَسْرِ الْأَلِفِ مِنْ ( إِنَّهُمْ ) .
وَهِيَ قِرَاءَةٌ غَيْرُ حَمِيدَةٍ ، لِمَعْنَيَيْنِ ، أَحَدُهُمَا خُرُوجُهَا مِنْ قِرَاءَةِ الْقَرَأَةِ وَشُذُوذُهَا عَنْهَا ، وَالْآخَرُ : بُعْدُهَا مِنْ فَصِيحِ كَلَامِ الْعَرَبِ . وَذَلِكَ أَنَّ يَحْسَبُ يَطْلُبُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَنْصُوبًا وَخَبَرَهُ ، كَقَوْلِهِ : عَبْدُ اللَّهِ يَحْسَبُ أَخَاكَ قَائِمًا وَ يَقُومُ وَ قَامَ ، فَقَارِئُ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ أَصْحَبَ يَحْسَبُ خَبَرًا لِغَيْرٍ مُخْبَرٍ عَنْهُ مَذْكُورٍ ، وَإِنَّمَا كَانَ مُرَادُهُ ، ظَنِّي : وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَنَا فَلَمْ يُفَكِّرْ فِي صَوَابِ مَخْرَجِ الْكَلَامِ وَسُقْمِهِ ، وَاسْتَعْمَلَ فِي قِرَاءَتِهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، مَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ مَفْهُومِ الْكَلَامِ ، وَأَحْسَبُ أَنَّ الَّذِي دَعَاهُ إِلَى ذَلِكَ ، الِاعْتِبَارُ بِقِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ . وَذَلِكَ أَنَّهُ فِيمَا ذُكِرَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ : وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ، وَهَذَا فَصِيحٌ صَحِيحٌ ، إِذَا أَدْخَلْتَ أَنَّهُمْ فِي الْكَلَامِ ، لِأَنَّ يَحْسَبَنَّ عَامِلَةٌ فِي أَنَّهُمْ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ أَنَّهُمْ كَانَتْ خَالِيَةً مِنَ اسْمٍ تَعْمَلُ فِيهِ .
وَلِلَّذِي قَرَأَ مِنْ ذَلِكَ مِنَ الْقَرَأَةِ وَجْهَانِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَإِنْ كَانَا بَعِيدَيْنِ مِنْ فَصِيحِ كَلَامِهِمْ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِ : وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ سَبَقُوا ، أَوْ : أَنَّهُمْ سَبَقُوا ثُمَّ حَذَفَ أَنْ وَ أَنَّهُمْ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا ، [ الرُّومِ : 24 ] . بِمَعْنَى : أَنْ يُرِيَكُمْ ، وَقَدْ يُنْشِدُ فِي نَحْوِ ذَلِكَ بَيْتًا لِذِي الرُّمَّةِ : أَظَنَّ ابْنُ طُرْثُوثٍ عُتَيْبَةَ ذَاهِبًا بِعَادِيَّتِي تَكْذَابُهُ وَجَعَائِلُهْ بِمَعْنَى : أَظَنَّ ابْنُ طُرْثُوثٍ أَنْ يَذْهَبَ بِعَادِيَّتِي تَكْذَابُهُ وَجَعَائِلُهُ؟ وَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِالْيَاءِ ، يُوَجِّهُ سَبَقُوا إِلَى سَابِقِينَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ إِضْمَارَ مَنْصُوبٍ بِ يَحْسَبُ ، كَأَنَّهُ قَالَ : وَلَا يَحْسَبِ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ سَبَقُوا ثُمَّ حَذَفَ أَنَّهُمْ وَأَضْمَرَ .
وَقَدْ وَجَّهَ بَعْضُهُمْ مَعْنَى قَوْلِهِ : إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ، [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 175 ] : إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ الْمُؤْمِنَ مِنْ أَوْلِيَائِهِ ، وَأَنَّ ذِكْرَ الْمُؤْمِنِ مُضْمَرٌ فِي قَوْلِهِ : يُخَوِّفُ ، إِذْ كَانَ الشَّيْطَانُ عِنْدَهُ لَا يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الشَّأْمِ : وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالتَّاءِ مِنْ تَحْسَبَنَّ ( سَبَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ) ، بِفَتْحِ الْأَلِفِ مِنْ أَنَّهُمْ ، بِمَعْنَى : وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلَا وَجْهَ لِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ يُعْقَلُ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الْقَارِئُ بِ لَا الَّتِي فِي يُعْجِزُونَ لَا الَّتِي تَدْخُلُ فِي الْكَلَامِ حَشْوًا وَصِلَةً ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ : وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا أَنَّهُمْ يُعْجِزُونَ وَلَا وَجْهَ لِتَوْجِيهِ حَرْفٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى التَّطْوِيلِ ، بِغَيْرِ حُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا ، وَلَهُ فِي الصِّحَّةِ مَخْرَجٌ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : ( لَا تَحْسَبَنَّ ) ، بِالتَّاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ ، بِكَسْرِ الْأَلِفِ مِنْ إِنَّهُمْ ، ( لَا يُعْجِزُونَ ) ، بِمَعْنَى : وَلَا تَحْسَبَنَّ أَنْتَ ، يَا مُحَمَّدُ ، الَّذِينَ جَحَدُوا حُجَجَ اللَّهِ وَكَذَّبُوا بِهَا ، سَبَقُونَا بِأَنْفُسِهِمْ فَفَاتُونَا ، إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَنَا أَيْ : يَفُوتُونَنَا بِأَنْفُسِهِمْ ، وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْهَرَبِ مِنَّا ، كَمَا : - 16223 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ ﴾ ، يَقُولُ : لَا يَفُوتُونَ .