الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ . . . . "
) ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾( 66 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ، حُثَّ مُتَّبِعِيكَ وَمُصَدِّقِيكَ عَلَى مَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ ، عَلَى قِتَالِ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى عَنِ الْحَقِّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ رَجُلًا ( صَابِرُونَ ) ، عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ ، وَيَحْتَسِبُونَ أَنْفُسَهُمْ وَيَثْبُتُونَ لِعَدُوِّهِمْ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، مِنْ عَدُوِّهِمْ وَيَقْهَرُوهُمْ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ ، عِنْدَ ذَلِكَ ( يَغْلِبُوا ) ، مِنْهُمْ ( أَلْفًا ) بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ، يَقُولُ : مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَوْمٌ يُقَاتِلُونَ عَلَى غَيْرِ رَجَاءِ ثَوَابٍ ، وَلَا لِطَلَبِ أَجْرٍ وَلَا احْتِسَابٍ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَفْقَهُوا أَنَّ اللَّهَ مُوجِبٌ لِمَنْ قَاتَلَ احْتِسَابًا ، وَطَلَبَ مَوْعُودَ اللَّهِ فِي الْمِيعَادِ ، مَا وَعَدَ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ ، فَهُمْ لَا يَثْبُتُونَ إِذَا صَدَقُوا فِي اللِّقَاءِ ، خَشْيَةَ أَنْ يُقْتَلُوا فَتَذْهَبَ دُنْيَاهُمْ ، ثُمَّ خَفَّفَ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ، إِذْ عَلِمَ ضَعْفَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ : الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ، يَعْنِي : أَنَّ فِي الْوَاحِدِ مِنْهُمْ عَنْ لِقَاءِ الْعَشَرَةِ مِنْ عَدُّوِّهِمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ ، عِنْدَ لِقَائِهِمْ لِلثَّبَاتِ لَهُمْ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ مِنْهُمْ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ مِنْهُمْ ( بِإِذْنِ اللَّهِ ) يَعْنِي : بِتَخْلِيَةِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ لِغَلَبَتِهِمْ ، وَمَعُونَتِهِ إِيَّاهُمْ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ، لِعَدُوِّهِمْ وَعَدُوِّ اللَّهِ ، احْتِسَابًا فِي صَبْرِهِ ، وَطَلَبًا لِجَزِيلِ الثَّوَابِ مِنْ رَبِّهِ ، بِالْعَوْنِ مِنْهُ لَهُ ، وَالنَّصْرِ عَلَيْهِ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16269 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَبَّبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ عَطَاءٍ فِي قَوْلِهِ : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، قَالَ : كَانَ الْوَاحِدُ لِعَشَرَةٍ ، ثُمَّ جُعِلَ الْوَاحِدُ بِاثْنَيْنِ؛ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفِرَّ مِنْهُمَا . 16270 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : جُعِلَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عَلَى الرَّجُلِ عَشَرَةٌ مِنَ الْكُفَّارِ ، فَقَالَ : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، فَخُفِّفَ ذَلِكَ عَنْهُمْ ، فَجُعِلَ عَلَى الرَّجُلِ رَجُلَانِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَمَا أَحَبَّ أَنْ يَعْلَمَ النَّاسُ تَخْفِيفَ ذَلِكَ عَنْهُمْ! .
16271 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ الْمَكِّيُّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، ثَقُلَتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَأَعْظَمُوا أَنْ يُقَاتِلَ عِشْرُونَ مِائَتَيْنِ ، وَمِائَةٌ أَلْفًا ، فَخَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَنَسَخَهَا بِالْآيَةِ الْأُخْرَى فَقَالَ : الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ ، قَالَ : وَكَانُوا إِذَا كَانُوا عَلَى الشَّطْرِ مِنْ عَدُوِّهِمْ لَمْ يَنْبَغِ لَهُمْ أَنْ يَفِرُّوا مِنْهُمْ . وَإِنْ كَانُوا دُونَ ذَلِكَ ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ أَنْ يُقَاتِلُوا ، وَجَازَ لَهُمْ أَنْ يَتَحَوَّزُوا عَنْهُمْ . 16272 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، قَالَ : كَانَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَشَرَةٌ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفِرَّ مِنْهُمْ ، فَكَانُوا كَذَلِكَ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ : الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، فَعَبَّأَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، فَنَسَخَ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ ، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى فِي قَوْلِهِ : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، فَأَمَرَ اللَّهُ الرَّجُلَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُقَاتِلَ عَشَرَةً مِنَ الْكُفَّارِ ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، وَرَحِمَهُمُ اللَّهُ ، فَقَالَ : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ، فَأَمَرَ اللَّهُ الرَّجُلَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُقَاتِلَ رَجُلَيْنِ مِنَ الْكُفَّارِ .
16273 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ، إِلَى قَوْلِهِ : بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ جُعِلَ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَشَرَةٌ مِنَ الْعَدُوِّ يُؤَشِّبُهُمْ يَعْنِي : يُغْرِيهِمْ بِذَلِكَ ، لِيُوَطِّنُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى الْغَزْوِ ، وَأَنَّ اللَّهَ نَاصِرُهُمْ عَلَى الْعَدُوِّ ، وَلَمْ يَكُنْ أَمْرًا عَزَمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَا أَوْجَبُهُ ، وَلَكِنْ كَانَ تَحْرِيضًا وَوَصِيَّةً أَمَرَ اللَّهُ بِهَا نَبِيَّهُ ، ثُمَّ خَفَّفَ عَنْهُمْ فَقَالَ : الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ، فَجَعَلَ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ رَجُلَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ ، تَخْفِيفًا ، لِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنُونَ أَنَّ اللَّهَ بِهِمْ رَحِيمٌ ، فَتَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ وَصَبَرُوا وَصَدَقُوا ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِمْ وَاجِبًا كَفَّرُوا إِذَنْ كُلَّ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [ نَكَلَ ] عَمَّنْ لَقِيَ مِنَ الْكُفَّارِ إِذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوهُمْ ، فَلَا يَغُرَّنَّكَ قَوْلُ رِجَالٍ ! فَإِنِّي قَدْ سَمِعْتُ رِجَالًا يَقُولُونَ : إِنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِرَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَاتِلَ حَتَّى يَكُونَ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ رَجُلَانِ ، وَحَتَّى يَكُونَ عَلَى كُلِّ رَجُلَيْنِ أَرْبَعَةٌ ، ثُمَّ بِحِسَابِ ذَلِكَ ، وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ يَعْصُونَ اللَّهَ إِنْ قَاتَلُوا حَتَّى يَبْلُغُوا عِدَّةَ ذَلِكَ ، وَإِنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يُقَاتِلُوا حَتَّى يَبْلُغُوا عِدَّةَ أَنْ يَكُونَ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ رَجُلَانِ ، وَعَلَى كُلِّ رَجُلَيْنِ أَرْبَعَةٌ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 207 ] ، وَقَالَ اللَّهُ : فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 84 ] ، فَهُوَ التَّحْرِيضُ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي الْأَنْفَالِ ، فَلَا تَعْجَزَنَّ ، قَاتِلْ ، قَدْ سَقَطْتَ بَيْنَ ظَهْرَيْ أُنَاسٍ كَمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونُوا . 16274 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ ، عَنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ زَيْدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ قَالَا : قَالَ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ، ثُمَّ نُسِخَ فَقَالَ : الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ، إِلَى قَوْلِهِ : وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ . 16275 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، فِي قَوْلِهِ : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ ، قَالَ : وَاحِدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَعَشَرَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، ثُمَّ خُفِّفَ عَنْهُمْ فَجُعِلَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَفِرَّ رَجُلٌ مِنْ رَجُلَيْنِ .
16276 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ ، إِلَى قَوْلِهِ : وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ ، قَالَ : هَذَا لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ ، جُعِلَ عَلَى الرَّجُلِ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ مِنَ الْكُفَّارِ ، فَضَجُّوا مِنْ ذَلِكَ ، فَجُعِلَ عَلَى الرَّجُلِ قِتَالُ رَجُلَيْنِ ، تَخْفِيفًا مِنَ اللَّهِ . 16277 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَأَبِي مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِنَّمَا أُمِرَ الرَّجُلُ أَنْ يَصْبِرَ نَفْسَهُ لِعَشَرَةٍ ، وَالْعَشَرَةُ لِمِائَةٍ إِذِ الْمُسْلِمُونَ قَلِيلٌ ، فَلَمَّا كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ ، خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَأُمِرَ الرَّجُلُ أَنْ يَصْبِرَ لِرَجُلَيْنِ ، وَالْعَشَرَةُ لِلْعِشْرِينَ ، وَالْمِائَةُ لِلْمِائَتَيْنِ . 16278 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، قَالَ : كَانَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ إِذَا لَقِيَ عِشْرُونَ مِائَتَيْنِ أَنْ لَا يَفِرُّوا ، فَإِنَّهُمْ إِنْ لَمْ يَفِرُّوا غَلَبُوا ، ثُمَّ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَقَالَ : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ ، فَيَقُولُ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يَفِرَّ أَلْفٌ مِنْ أَلْفَيْنِ ، فَإِنَّهُمْ إِنْ صَبَرُوا لَهُمْ غَلَبُوهُمْ .
16279 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ ، جَعَلَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ رَجُلَيْنِ ، بَعْدَ مَا كَانَ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ عَشَرَةً وَهَذَا الْحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . 16280 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْخِرِّيتِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : كَانَ فُرِضَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُقَاتِلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ عَشَرَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ . قَوْلُهُ : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ التَّخْفِيفَ ، فَجَعَلَ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُقَاتِلَ الرَّجُلَيْنِ ، قَوْلُهُ : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، فَخَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَنُقِصُوا مِنَ النَّصْرِ بِقَدْرِ ذَلِكَ .
16281 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، يَقُولُ : يُقَاتِلُوا مِائَتَيْنِ ، فَكَانُوا أَضْعَفَ مِنْ ذَلِكَ ، فَنَسَخَهَا اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَخَفَّفَ فَقَالَ : فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، فَجَعَلَ أَوَّلَ مَرَّةٍ الرَّجُلَ لِعَشْرَةٍ ، ثُمَّ جَعَلَ الرَّجُلَ لِاثْنَيْنِ . 16282 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، قَالَ : كَانَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ إِذَا لَقِيَ عِشْرُونَ مِائَتَيْنِ أَنْ لَا يَفِرُّوا ، فَإِنَّهُمْ إِنْ لَمْ يَفِرُّوا غَلَبُوا ، ثُمَّ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَقَالَ : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ، فَيَقُولُ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يَفِرَّ أَلْفٌ مِنْ أَلْفَيْنِ ، فَإِنَّهُمْ إِنْ صَبَرُوا لَهُمْ غَلَبُوهُمْ . 16283 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ : كَانَ هَذَا وَاجِبًا أَنْ لَا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ .
16284 - وَبِهِ قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنِ اللَّيْثِ ، عَنْ عَطَاءٍ ، مِثْلَ ذَلِكَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ، فَقَدْ بَيَّنَّا تَأْوِيلَهُ . وَكَانَ ابْنُ إِسْحَاقَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا : - 16285 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ، أَيْ لَا يُقَاتِلُونَ عَلَى نِيَّةٍ وَلَا حَقٍّ فِيهِ ، وَلَا مَعْرِفَةٍ بِخَيْرٍ وَلَا شَرٍّ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذِهِ الْآيَةُ أَعْنِي قَوْلَهُ : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ مَخْرَجُهَا مَخْرَجَ الْخَبَرِ ، فَإِنَّ مَعْنَاهَا الْأَمْرُ . يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ : الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ، فَلَمْ يَكُنِ التَّخْفِيفُ إِلَّا بَعْدَ التَّثْقِيلِ . وَلَوْ كَانَ ثُبُوتُ الْعَشَرَةِ مِنْهُمْ لِلْمِائَةِ مِنْ عَدُوِّهِمْ كَانَ غَيْرَ فَرْضٍ عَلَيْهِمْ قَبْلَ التَّخْفِيفِ ، وَكَانَ نَدْبًا ، لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْفِيفِ وَجْهٌ؛ لِأَنَّ التَّخْفِيفَ إِنَّمَا هُوَ تَرْخِيصٌ فِي تَرْكِ الْوَاحِدِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الثُّبُوتَ لِلْعَشَرَةِ مِنَ الْعَدُوِّ .
وَإِذَا لَمْ يَكُنِ التَّشْدِيدُ قَدْ كَانَ لَهُ مُتَقَدِّمًا ، لَمْ يَكُنْ لِلتَّرْخِيصِ وَجْهٌ ، إِذْ كَانَ الْمَفْهُومُ مِنَ التَّرْخِيصِ إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ التَّشْدِيدِ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ حُكْمَ قَوْلِهِ : الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ، نَاسِخٌ لِحُكْمِ قَوْلِهِ : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا . وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِنَا الْبَيَانُ عَنْ أُصُولِ الْأَحْكَامِ ، أَنَّ كُلَّ خَبَرٍ مِنَ اللَّهِ وَعَدَ فِيهِ عِبَادَهُ عَلَى عَمَلٍ ثَوَابًا وَجَزَاءً ، وَعَلَى تَرْكِهِ عِقَابًا وَعَذَابًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَارِجًا ظَاهِرُهُ مَخْرَجَ الْأَمْرِ ، فَفِي مَعْنَى الْأَمْرِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا . فَقَرَأَهُ بَعْضُ الْمَدَنِيِّينَ وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ : وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ، بِضَمِّ الضَّادِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ ، وَتَنْوِينِ الضُّعْفِ عَلَى الْمَصْدَرِ مِنْ : ضَعُفَ الرَّجُلُ ضُعْفًا . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْكُوفِيِّينَ : ( وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ) ، بِفَتْحِ الضَّادِ ، عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْضًا مَنْ ضَعُفَ .
وَقَرَأَهُ بَعْضُ الْمَدَنِيِّينَ : ( ضُعَفَاءَ ) ، عَلَى تَقْدِيرِ فُعَلَاءَ ، جَمْعُ ضَعِيفٍ عَلَى ضُعَفَاءَ ، كَمَا يُجْمَعُ الشَّرِيكُ ، شُرَكَاءَ ، وَ الرَّحِيمُ ، رُحَمَاءَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقِرَاءَاتِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ : وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ، وَ ( ضُعْفًا ) ، بِفَتْحِ الضَّادِ أَوْ ضَمِّهَا ، لِأَنَّهُمَا الْقِرَاءَتَانِ الْمَعْرُوفَتَانِ ، وَهُمَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فَصِيحَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَهُوَ مُصِيبٌ الصَّوَابَ . فَأَمَّا قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ : ضُعَفَاءَ ، فَإِنَّهَا عَنْ قِرَاءَةِ الْقَرَأَةِ شَاذَّةٌ ، وَإِنْ كَانَ لَهَا فِي الصِّحَّةِ مَخْرَجٌ ، فَلَا أُحِبُّ لِقَارِئٍ الْقِرَاءَةَ بِهَا .