الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا إِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِيمَا الْمُنَافِقِينَ : أَنَّ مِنْ عَلَامَاتِهِمُ الَّتِي يُعْرَفُونَ بِهَا تَخَلُّفُهُمْ عَنِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، بِاسْتِئْذَانِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَرْكِهِمُ الْخُرُوجَ مَعَهُ إِذَا اسْتُنْفِرُوا بِالْمَعَاذِيرِ الْكَاذِبَةِ . يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّدُ ، لَا تَأْذَنَنَّ فِي التَّخَلُّفِ عَنْكَ إِذَا خَرَجْتَ لِغَزْوِ عَدُوِّكَ ، لِمَنِ اسْتَأْذَنَكَ فِي التَّخَلُّفِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَأْذِنُكَ فِي ذَلِكَ إِلَّا مُنَافِقٌ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَأَمَّا الَّذِي يُصَدِّقُ بِاللَّهِ ، وَيُقِرُّ بِوَحْدَانِيَّتِهِ وَبِالْبَعْثِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَأْذِنُكَ فِي تَرْكِ الْغَزْوِ وَجِهَادِ أَعْدَاءِ اللَّهِ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ، يَقُولُ : وَاللَّهُ ذُو عِلْمٍ بِمَنْ خَافَهُ ، فَاتَّقَاهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ ، وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ ، وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى طَاعَتِهِ فِي غَزْوِ عَدُوِّهِ وَجِهَادِهِمْ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16768 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ، فَهَذَا تَعْيِيرٌ لِلْمُنَافِقِينَ حِينَ اسْتَأْذَنُوا فِي الْقُعُودِ عَنِ الْجِهَادِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ، وَعَذَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَ : لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ ، [ سُورَةُ النُّورِ : 62 ] .