الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : لَقَدِ الْتَمَسَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ الْفِتْنَةَ لِأَصْحَابِكَ ، يَا مُحَمَّدُ ، الْتَمَسُوا صَدَّهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَصُوا عَلَى رَدِّهِمْ إِلَى الْكُفْرِ بِالتَّخْذِيلِ عَنْهُ ، كَفِعْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ بِكَ وَبِأَصْحَابِكَ يَوْمَ أُحُدٍ ، حِينَ انْصَرَفَ عَنْكَ بِمَنْ تَبِعَهُ مِنْ قَوْمِهِ . وَذَلِكَ كَانَ ابْتِغَاءَهُمْ مَا كَانُوا ابْتَغَوْا لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْفِتْنَةِ مِنْ قَبْلُ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : ( مِنْ قَبْلُ ) ، مِنْ قَبْلِ هَذَا وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ ، يَقُولُ : وَأَجَالُوا فِيكَ وَفِي إِبْطَالِ الدِّينِ الَّذِي بَعَثَكَ بِهِ اللَّهُ الرَّأْيَ بِالتَّخْذِيلِ عَنْكَ ، وَإِنْكَارِ مَا تَأْتِيهِمْ بِهِ ، وَرَدِّهِ عَلَيْكَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ ، يَقُولُ : حَتَّى جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ ، يَقُولُ : وَظَهَرَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ وَافْتَرَضَهُ عَلَى خَلْقِهِ ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ ( وَهُمْ كَارِهُونَ ) ، يَقُولُ : وَالْمُنَافِقُونَ بِظُهُورِ أَمْرِ اللَّهِ وَنَصْرِهِ إِيَّاكَ كَارِهُونَ .
وَكَذَلِكَ الْآنَ ، يُظْهِرُكَ اللَّهُ وَيُظْهِرُ دِينَهُ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ الرُّومِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ ، وَهُمْ كَارِهُونَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16782 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : ( وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ ) ، أَيْ : لِيُخَذِّلُوا عَنْكَ أَصْحَابَكَ ، وَيَرُدُّوا عَلَيْكَ أَمْرَكَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ .
وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ مُسَمَّيْنَ بِأَعْيَانِهِمْ . 16783 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنِ الْحَسَنِ قَوْلَهُ : وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ ، قَالَ : مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، وَرِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ ، وَزَيْدُ بْنُ التَّابُوتِ الْقَيْنُقَاعِيُّ . وَكَانَ تَخْذِيلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِيٍّ أَصْحَابَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْغَزَاةِ ، كَالَّذِي : 16784 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَيَزِيدَ بْنِ رُومَانَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، وَعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، وَغَيْرِهِمْ ، كُلٌ قَدْ حَدَّثَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ مَا بَلَغَهُ عَنْهَا ، وَبَعْضُ الْقَوْمِ يُحَدِّثُ مَا لَمْ يُحَدِّثْ بَعْضٌ ، وَكُلٌّ قَدِ اجْتَمَعَ حَدِيثُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالتَّهَيُّؤِ لِغَزْوِ الرُّومِ ، وَذَلِكَ فِي زَمَانِ عُسْرَةٍ مِنَ النَّاسِ ، وَشِدَّةٍ مِنَ الْحَرِّ ، وَجَدْبٍ مِنَ الْبِلَادِ ، وَحِينَ طَابَ الثِّمَارُ ، وَأُحِبَّتِ الظِّلَالُ ، فَالنَّاسُ يُحِبُّونَ الْمُقَامَ فِي ثِمَارِهِمْ وَظِلَالِهِمْ ، وَيَكْرَهُونَ الشُّخُوصَ عَنْهَا ، عَلَى الْحَالِ مِنَ الزَّمَانِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ .
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَلَّمَا يَخْرُجُ فِي غَزْوَةٍ إِلَّا كَنَّى عَنْهَا ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ غَيْرَ الَّذِي يَصْمِدُ لَهُ ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ ، فَإِنَّهُ بَيَّنَهَا لِلنَّاسِ ، لِبُعْدِ الشُّقَّةِ ، وَشِدَّةِ الزَّمَانِ وَكَثْرَةِ الْعَدُوِّ الَّذِي صَمَدَ لَهُ ، لِيَتَأَهَّبَ النَّاسُ لِذَلِكَ أُهْبَتَهُ ، فَأَمَرَ النَّاسَ بِالْجِهَادِ ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يُرِيدُ الرُّومَ ، فَتَجَهَّزَ النَّاسُ عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْكُرْهِ لِذَلِكَ الْوَجْهِ ، لِمَا فِيهِ ، مَعَ مَا عَظَّمُوا مِنْ ذِكْرِ الرُّومِ وَغَزْوِهِمْ . ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَدَّ فِي سَفَرِهِ ، فَأَمَرَ النَّاسَ بِالْجِهَازِ وَالِانْكِمَاشِ ، وَحَضَّ أَهْلَ الْغِنَى عَلَى النَّفَقَةِ وَالْحُمْلَانِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ عَسْكَرَهُ عَلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ ، وَضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ عَسْكَرَهُ عَلَى حِدَةٍ أَسْفَلَ مِنْهُ بِحِذَاءِ ذُبَابٍ جَبَلٍ بِالْجَبَّانَةِ أَسْفَلَ مِنْ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ وَكَانَ فِيمَا يَزْعُمُونَ ، لَيْسَ بِأَقَلِّ الْعَسْكَرَيْنِ ، فَلَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، تَخَلَّفَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فِيمَنْ تَخَلَّفَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَأَهْلِ الرَّيْبِ .
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ، أَخَا بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ ، أَخَا بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، وَرِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ ، أَخَا بَنِي قَيْنُقَاعَ ، وَكَانُوا مِنْ عُظَمَاءِ الْمُنَافِقِينَ ، وَكَانُوا مِمَّنْ يَكِيدُ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ . قَالَ : وَفِيهِمْ ، فِيمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، أَنْزَلَ اللَّهُ : لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ ، الْآيَةَ .