الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : لَوْ خَرَجَ ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، فِيكُمْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا ، يَقُولُ : لَمْ يَزِيدُوكُمْ بِخُرُوجِهِمْ فِيكُمْ إِلَّا فَسَادًا وَضُرًّا ، وَلِذَلِكَ ثَبَّطْتُهُمْ عَنِ الْخُرُوجِ مَعَكُمْ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْخَبَالِ ، بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ . وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ ، يَقُولُ : وَلَأَسْرَعُوا بِرَكَائِبِهِمُ السَّيْرَ بَيْنَكُمْ .
وَأَصْلُهُ مِنَ إِيضَاعِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ ، وَهُوَ الْإِسْرَاعُ بِهَا فِي السَّيْرِ ، يُقَالُ لِلنَّاقَةِ إِذَا أَسْرَعَتِ السَّيْرَ : وَضَعَتِ النَّاقَةُ تَضَعُ وَضْعًا وَمَوْضُوعًا ، وَ أَوْضَعَهَا صَاحِبُهَا ، إِذَا جَدَّ بِهَا وَأَسْرَعَ ، يُوضِعُهَا إِيضَاعًا ، وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ : يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعْ أَخُبُّ فِيهَا وَأَضَعْ وَأَمَّا أَصْلُ الْخِلَالِ ، فَهُوَ مِنْ الْخَلَلِ ، وَهِيَ الْفُرَجُ تَكُونُ بَيْنَ الْقَوْمِ ، فِي الصُّفُوفِ وَغَيْرِهَا . وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَرَاصُّوا فِي الصُّفُوفِ لَا يَتَخَلَّلْكُمْ [ الشَّيَاطِينُ ، كَأَنَّهَا ] أَوْلَادُ الْحَذْفِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ ، فَإِنَّ مَعْنَى : يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ ، يَطْلُبُونَ لَكُمْ مَا تُفْتَنُونَ بِهِ ، عَنْ مَخْرَجِكُمْ فِي مَغْزَاكُمْ ، بِتَثْبِيطِهِمْ إِيَّاكُمْ عَنْهُ .
يُقَالُ مِنْهُ : بَغَيْتُهُ الشَّرَّ ، وَ بَغَيْتُهُ الْخَيْرَ أَبْغِيهِ بُغَاءً ، إِذَا الْتَمَسْتُهُ لَهُ ، بِمَعْنَى : بَغَيْتُ لَهُ ، وَكَذَلِكَ عَكَمْتُكَ وَ حَلَبْتُكَ ، بِمَعْنَى : حَلَبْتُ لَكَ ، وَ عَكَمْتُ لَكَ ، وَإِذَا أَرَادُوا : أَعَنْتُكَ عَلَى الْتِمَاسِهِ وَطَلَبِهِ ، قَالُوا : أَبْغَيْتُكَ كَذَا ، وَ أَحْلَبْتُكَ ، وَ أَعْكَمْتُكَ ، أَيْ : أَعَنْتُكَ عَلَيْهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16771 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ ، بَيْنَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ ، بِذَلِكَ .
16772 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلَهُ : وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ ، يَقُولُ : [ وَلَأَوْضَعُوا بَيْنَكُمْ ] ، خِلَالَكُمْ بِالْفِتْنَةِ . 16773 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ ، يُبَطِّئُونَكُمْ قَالَ : رِفَاعَةُ بْنُ التَّابُوتِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ ، وَأَوْسُ بْنُ قَيْظِيِّ . 16774 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ ، قَالَ : لَأَسْرَعُوا الْأَزِقَّةَ خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ ، يُبَطِّئُونَكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ ، وَرِفَاعَةُ بْنُ تَابُوتَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ .
16775 - . قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ ، قَالَ : لَأَسْرَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ بِذَلِكَ . 16776 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا ، قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ .
يُسَلِّي اللَّهُ عَنْهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ : وَمَا يُحْزِنُكُمْ؟ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا ، ! يَقُولُونَ : قَدْ جُمِعَ لَكُمْ ، وَفُعِلَ وَفُعِلَ ، يُخَذِّلُونَكُمْ وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ : الْكُفْرَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لِحَدِيثِكُمْ لَهُمْ ، يُؤَدُّونَهُ إِلَيْهِمْ ، عُيُونٌ لَهُمْ عَلَيْكُمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16777 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ، يُحَدِّثُونَ أَحَادِيثَكُمْ ، عُيُونٌ غَيْرُ مُنَافِقِينَ . 16778 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ، قَالَ : مُحَدِّثُونَ ، عُيُونٌ ، غَيْرُ الْمُنَافِقِينَ . 16779 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ، يَسْمَعُونَ مَا يُؤَدُّونَهُ لِعَدُوِّكُمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَفِيكُمْ مَنْ يَسْمَعُ كَلَامَهُمْ وَيُطِيعُ لَهُمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16780 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ، وَفِيكُمْ مَنْ يَسْمَعُ كَلَامَهُمْ . 16781 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : كَانَ الَّذِينَ اسْتَأْذَنُوا ، فِيمَا بَلَغَنِي مِنْ ذَوِي الشَّرَفِ ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ ، وَالْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ ، وَكَانُوا أَشْرَافًا فِي قَوْمِهِمْ ، فَثَبَّطَهُمُ اللَّهُ ، لِعِلْمِهِ بِهِمْ : أَنْ يَخْرُجُوا مَعَهُمْ ، فَيُفْسِدُوا عَلَيْهِ جُنْدَهُ .
وَكَانَ فِي جُنْدِهِ قَوْمٌ أَهْلُ مَحَبَّةٍ لَهُمْ وَطَاعَةٍ فِيمَا يَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِ ، لِشَرَفِهِمْ فِيهِمْ ، فَقَالَ : وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ : وَفِيكُمْ أَهْلُ سَمْعٍ وَطَاعَةٍ مِنْكُمْ ، لَوْ صَحِبُوكُمْ أَفْسَدُوهُمْ عَلَيْكُمْ ، بِتَثْبِيطِهِمْ إِيَّاهُمْ عَنِ السَّيْرِ مَعَكُمْ . وَأَمَّا عَلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ : وَفِيكُمْ مِنْهُمْ سَمَّاعُونَ يَسْمَعُونَ حَدِيثَكُمْ لَهُمْ ، فَيُبَلِّغُونَهُمْ وَيُؤَدُّونَهُ إِلَيْهِمْ ، عُيُونٌ لَهُمْ عَلَيْكُمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ، تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لِحَدِيثِكُمْ لَهُمْ ، يُبَلِّغُونَهُ عَنْكُمْ ، عُيُونٌ لَهُمْ ، لِأَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ فِي قَوْلِهِمْ : سَمَّاعٌ ، وَصْفُ مَنْ وُصِفَ بِهِ أَنَّهُ سَمَّاعٌ لِلْكَلَامِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 41 ] ، وَاصِفًا بِذَلِكَ قَوْمًا بِسَمَاعِ الْكَذِبِ مِنَ الْحَدِيثِ . وَأَمَّا إِذَا وَصَفُوا الرَّجُلَ بِسَمَاعِ كَلَامِ الرَّجُلِ وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَقَبُولِهِ مِنْهُ وَانْتِهَائِهِ إِلَيْهِ فَإِنَّمَا تَصِفُهُ بِأَنَّهُ : لَهُ سَامِعٌ وَمُطِيعٌ ، وَلَا تَكَادُ تَقُولُ : هُوَ لَهُ سَمَّاعٌ مُطِيعٌ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ : وَاللَّهُ ذُو عِلْمٍ بِمَنْ يُوَجِّهُ أَفْعَالَهُ إِلَى غَيْرِ وُجُوهِهَا ، وَيَضَعُهَا فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهَا ، وَمَنْ يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُذْرٍ ، وَمَنْ يَسْتَأْذِنُهُ شَكًّا فِي الْإِسْلَامِ وَنِفَاقًا ، وَمَنْ يَسْمَعُ حَدِيثَ الْمُؤْمِنِينَ لِيُخْبِرَ بِهِ الْمُنَافِقِينَ ، وَمَنْ يَسْمَعُهُ لِيُسَرَّ بِمَا سُرَّ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ ، وَيُسَاءُ بِمَا سَاءَهُمْ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ سَرَائِرَ خَلْقِهِ وَعَلَانِيَتِهِمْ .
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الظُّلْمِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .