الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا . . . "
﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾( 102 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مُنَافِقُونَ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ ، وَمِنْهُمْ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ يَقُولُ : أَقَرُّوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ - الَّذِي خَلَطُوهُ بِالْعَمَلِ السَّيِّئِ - اعْتِرَافَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ، وَتَوْبَتَهُمْ مِنْهَا . وَالْآخَرُ السَّيِّئُ هُوَ تَخَلُّفُهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ خَرَجَ غَازِيًا ، وَتَرْكُهُمُ الْجِهَادَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ قِيلَ : خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا وَإِنَّمَا الْكَلَامُ : خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا بِآخَرَ سَيِّئٍ ؟ قِيلَ : قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي ذَلِكَ .
فَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ : قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَجَائِزٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ أَنْ يَكُونَ بِآخَرَ كَمَا تَقُولُ اسْتَوَى الْمَاءُ وَالْخَشَبَةُ أَيْ : بِالْخَشَبَةِ وَخَلَطْتُ الْمَاءَ وَاللَّبَنَ . وَأَنْكَرَ آخَرُ أَنْ يَكُونَ نَظِيرَ قَوْلِهِمْ اسْتَوَى الْمَاءُ وَالْخَشَبَةُ . وَاعْتَلَّ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْفِعْلَ فِي الْخَلْطِ عَامِلٌ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّانِي ، وَجَائِزٌ تَقْدِيمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ ، وَأَنَّ تَقْدِيمَ الْخَشَبَةِ عَلَى الْمَاءِ غَيْرُ جَائِزٍ فِي قَوْلِهِمْ : اسْتَوَى الْمَاءُ وَالْخَشَبَةُ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ دَلِيلًا عَلَى مُخَالَفَةِ ذَلِكَ الْخَلْطِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي : أَنَّهُ بِمَعْنَى قَوْلِهِمْ : خَلَطْتُ الْمَاءَ وَاللَّبَنَ بِمَعْنَى : خَلَطْتُهُ بِاللَّبَنِ . عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ يَقُولُ : لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ وَعَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبٌ . وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : سَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، وَلَكِنَّهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى مَا وَصَفْتُ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ ذُو صَفْحٍ وَعَفْوٍ لِمَنْ تَابَ عَنْ ذُنُوبِهِ ، وَسَاتِرٌ لَهُ عَلَيْهَا رَحِيمٌ بِهِ أَنْ يُعَذِّبَهُ بِهَا .
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، وَالسَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أُنْزِلَتْ فِيهِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : نَزَلَتْ فِي عَشَرَةِ أَنْفُسٍ كَانُوا تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ مِنْهُمْ أَبُو لَبَابَةَ . فَرَبَطَ سَبْعَةٌ مِنْهُمْ أَنْفُسَهُمْ إِلَى السَّوَارِي عِنْدَ مَقْدَمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوْبَةً مِنْهُمْ مَنْ ذَنْبِهِمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17136 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا قَالَ : كَانُوا عَشَرَةَ رَهْطٍ تَخَلَّفُوا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، فَلَمَّا حَضَرَ رُجُوعُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْثَقَ سَبْعَةٌ مِنْهُمْ أَنْفُسَهُمْ بِسَوَارِي الْمَسْجِدِ ، فَكَانَ مَمَرُّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا رَجَعَ فِي الْمَسْجِدِ عَلَيْهِمْ . فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ : مَنْ هَؤُلَاءِ الْمُوثِقُونَ أَنْفُسَهُمْ بِالسَّوَارِي ؟ قَالُوا : هَذَا أَبُو لُبَابَةَ وَأَصْحَابٌ لَهُ تَخَلَّفُوا عَنْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، [ وَحَلَفُوا لَا يُطْلِقُهُمْ أَحَدٌ ] حَتَّى تُطْلِقَهُمْ وَتَعْذُرَهُمْ . فَقَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : وَأَنَا أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَا أُطْلِقُهُمْ وَلَا أَعْذُرُهُمْ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يُطْلِقُهُمْ ، رَغِبُوا عَنِّي وَتَخَلَّفُوا عَنِ الْغَزْوِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ .
فَلَمَّا بَلَغَهُمْ ذَلِكَ قَالُوا : وَنَحْنُ لَا نُطْلِقُ أَنْفُسَنَا حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ الَّذِي يُطْلِقُنَا . فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ وَعَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبٌ . فَلَمَّا نَزَلَتْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَطْلَقَهُمْ وَعَذَرَهُمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانُوا سِتَّةً ، أَحَدُهُمْ أَبُو لُبَابَةَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17137 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ إِلَى قَوْلِهِ : إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزَا غَزْوَةَ تَبُوكَ ، فَتَخَلَّفَ أَبُو لُبَابَةَ وَخَمْسَةٌ مَعَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . ثُمَّ إِنَّ أَبَا لُبَابَةَ وَرَجُلَيْنِ مَعَهُ تَفَكَّرُوا وَنَدِمُوا ، وَأَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ ، وَقَالُوا : نَكُونُ فِي الْكِنِّ وَالطُّمَأْنِينَةِ مَعَ النِّسَاءِ ، وَرَسُولُ اللَّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ مَعَهُ فِي الْجِهَادِ ؟ ! وَاللَّهِ لَنُوثِقَنَّ أَنْفُسَنَا بِالسَّوَارِي ، فَلَا نُطْلِقُهَا حَتَّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ يُطْلِقُنَا وَيَعْذُرُنَا .
فَانْطَلَقَ أَبُو لُبَابَةَ وَأَوْثَقَ نَفْسَهُ وَرَجُلَانِ مَعَهُ بِسَوَارِي الْمَسْجِدِ ، وَبَقِيَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ لَمْ يُوثِقُوا أَنْفُسَهُمْ . فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَزْوَتِهِ ، وَكَانَ طَرِيقُهُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَمَرَّ عَلَيْهِمْ فَقَالَ : مَنْ هَؤُلَاءِ الْمُوثِقُو أَنْفُسِهِمْ بِالسَّوَارِي ؟ فَقَالُوا : هَذَا أَبُو لُبَابَةَ وَأَصْحَابٌ لَهُ ، تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَاهَدُوا اللَّهَ أَنْ لَا يُطْلِقُوا أَنْفُسَهُمْ حَتَّى تَكُونَ أَنْتَ الَّذِي تُطْلِقُهُمْ وَتَرْضَى عَنْهُمْ ، وَقَدِ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَاللَّهِ لَا أُطْلِقُهُمْ حَتَّى أُومَرَ بِإِطْلَاقِهِمْ ، وَلَا أَعْذُرُهُمْ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ يَعْذُرُهُمْ ، وَقَدْ تَخَلَّفُوا عَنِّي وَرَغِبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ غَزْوِ الْمُسْلِمِينَ وَجِهَادِهِمْ .
فَأَنْزَلَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ : ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ وَعَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبٌ فَلَمَّا نَزَلَتِ الْآيَةَ أَطْلَقَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَذَرَهُمْ ، وَتَجَاوَزَ عَنْهُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : الَّذِينَ رَبَطُوا أَنْفُسَهُمْ بِالسَّوَارِي كَانُوا ثَمَانِيَةً . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17138 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ قَالَ : هُمُ الثَّمَانِيَةُ الَّذِينَ رَبَطُوا أَنْفُسَهُمْ بِالسَّوَارِي .
مِنْهُمْ كَرْدَمٌ وَمِرْدَاسٌ وَأَبُو لُبَابَةَ . 17139 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ سَعِيدٍ قَالَ : الَّذِينَ رَبَطُوا أَنْفُسَهُمْ بِالسَّوَارِي : هِلَالٌ وَأَبُو لُبَابَةَ وَكَرَدْمٌ وَمِرْدَاسٌ وَأَبُو قَيْسٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : كَانُوا سَبْعَةً .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17140 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمْ كَانُوا سَبْعَةَ رَهْطٍ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ ، فَأَمَّا أَرْبَعَةٌ فَخَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا : جَدُّ بْنُ قَيْسٍ وَأَبُو لُبَابَةَ وَحَرَامٌ وَأَوْسٌ ، وَكُلُّهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُمُ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ الْآيَةَ . 17141 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ : خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا قَالَ : هُمْ نَفَرٌ مِمَّنْ تَخَلَّفَ عَنْ تَبُوكَ . مِنْهُمْ : أَبُو لُبَابَةَ وَمِنْهُمْ جَدُّ بْنُ قَيْسٍ تِيبَ عَلَيْهِمْ قَالَ قَتَادَةُ : وَلَيْسُوا بِثَلَاثَةٍ .
17142 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ قَالَ : هُمْ سَبْعَةٌ مِنْهُمْ : أَبُو لُبَابَةَ كَانُوا تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ ، وَلَيْسُوا بِالثَّلَاثَةِ . 17143 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا نَزَلَتْ فِي أَبِي لُبَابَةَ وَأَصْحَابِهِ ، تَخَلَّفُوا عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَزْوَتِهِ ، وَكَانَ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ نَدِمُوا عَلَى تَخَلُّفِهِمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَقَالُوا : نَكُونُ فِي الظِّلَالِ وَالْأَطْعِمَةِ وَالنِّسَاءِ ، وَنَبِيُّ اللَّهِ فِي الْجِهَادِ وَاللَّأْوَاءِ . وَاللَّهِ لِنُوثِقَنَّ أَنْفُسَنَا بِالسَّوَارِي ، ثُمَّ لَا نُطْلِقُهَا حَتَّى يَكُونَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُطْلِقُنَا وَيَعْذُرُنَا .
وَأَوْثَقُوا أَنْفُسَهُمْ ، وَبَقِيَ ثَلَاثَةٌ لَمْ يُوثِقُوا أَنْفُسَهُمْ بِالسَّوَارِي . فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَزْوَتِهِ ، فَمَرَّ فِي الْمَسْجِدِ ، وَكَانَ طَرِيقَهُ فَأَبْصَرَهُمْ ، فَسَأَلَ عَنْهُمْ ، فَقِيلَ لَهُ : أَبُو لُبَابَةَ وَأَصْحَابُهُ تَخَلَّفُوا عَنْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، فَصَنَعُوا بِأَنْفُسِهِمْ مَا تَرَى ، وَعَاهَدُوا اللَّهَ أَلَّا يُطْلِقُوا أَنْفُسَهُمْ حَتَّى تَكُونَ أَنْتَ الَّذِي تُطْلِقُهُمْ . فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا أُطْلِقُهُمْ حَتَّى أُومَرَ بِإِطْلَاقِهِمْ ، وَلَا أَعْذُرُهُمْ حَتَّى يَعْذُرَهُمُ اللَّهُ ، قَدْ رَغِبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ غَزْوَةِ الْمُسْلِمِينَ .
فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ إِلَى : عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ وَعَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبٌ فَأَطْلَقَهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ وَعَذَرَهُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَبُو لُبَابَةَ خَاصَّةً ، وَذَنْبُهُ الَّذِي اعْتَرَفَ بِهِ فَتِيبَ عَلَيْهِ فِيهِ ، مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17144 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ وَرْقَاءَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ قَالَ : نَزَلَتْ فِي أَبِي لُبَابَةَ قَالَ لِبَنِي قُرَيْظَةَ مَا قَالَ .
17145 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ قَالَ : أَبُو لُبَابَةَ إِذْ قَالَ لِقُرَيْظَةَ مَا قَالَ : أَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ : إِنَّ مُحَمَّدًا ذَابِحُكُمْ إِنْ نَزَلْتُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ . 17146 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ فَذَكَرَ نَحْوَهُ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : إِنْ نَزَلْتُمْ عَلَى حُكْمِهِ . 17147 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : رَبَطَ أَبُو لُبَابَةَ نَفْسَهُ إِلَى سَارِيَةٍ فَقَالَ : لَا أَحِلُّ نَفْسِي حَتَّى يَحِلَّنِي اللَّهُ وَرَسُولُهُ .
قَالَ : فَحَلَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَفِيهِ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا الْآيَةَ . 17148 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ قَالَ : نَزَلَتْ فِي أَبِي لُبَابَةَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ فِي أَبِي لُبَابَةَ بِسَبَبِ تَخَلُّفِهِ عَنْ تَبُوكَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17149 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ : قَالَ الزُّهْرِيُّ : كَانَ أَبُو لُبَابَةَ مِمَّنْ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، فَرَبَطَ نَفْسَهُ بِسَارِيَةٍ فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أَحِلُّ نَفْسِي مِنْهَا ، وَلَا أَذُوقُ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا ، حَتَّى أَمُوتَ أَوْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ . فَمَكَثَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ لَا يَذُوقُ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا ، حَتَّى خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ . قَالَ : ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ : قَدْ تِيبَ عَلَيْكَ يَا أَبَا لُبَابَةَ .
فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أَحِلُّ نَفْسِي حَتَّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ يَحِلُّنِي . قَالَ : فَجَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَلَّهُ بِيَدِهِ . ثُمَّ قَالَ أَبُو لُبَابَةَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَهْجُرَ دَارَ قَوْمِيَ الَّتِي أَصَبْتُ فِيهَا الذَّنْبَ ، وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي كُلِّهِ صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ .
قَالَ : يَجْزِيكَ يَا أَبَا لُبَابَةَ الثُّلْثُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْأَعْرَابُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17150 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا قَالَ : فَقَالَ إِنَّهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ .
17151 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَبِي زَيْنَبَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ يَقُولُ : مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَرْجَى عِنْدِي لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ قَوْلِهِ : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ إِلَى : إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمُعْتَرِفِينَ بِخَطَأِ فِعْلِهِمْ فِي تَخَلُّفِهِمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَرْكِهِمُ الْجِهَادَ مَعَهُ ، وَالْخُرُوجَ لِغَزْوِ الرُّومِ حِينَ شَخَصَ إِلَى تَبُوكَ وَأَنَّ الَّذِينَ نَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ جَمَاعَةٌ أَحَدُهُمْ أَبُو لُبَابَةَ . وَإِنَّمَا قُلْنَا : ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - قَالَ : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ فَأَخْبَرَ عَنِ اعْتِرَافِ جَمَاعَةٍ بِذُنُوبِهِمْ ، وَلَمْ يَكُنِ الْمُعْتَرِفُ بِذَنْبِهِ الْمُوثِقُ نَفْسَهُ بِالسَّارِيَةِ فِي حِصَارِ قُرَيْظَةَ غَيْرَ أَبِي لُبَابَةَ وَحْدَهُ .
فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ [ كَذَلِكَ ] ، وَكَانَ اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - قَدْ وَصَفَ فِي قَوْلِهِ : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ بِالِاعْتِرَافِ بِذُنُوبِهِمْ جَمَاعَةً عُلِمَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ بِذَلِكَ لَيْسَتِ الْوَاحِدَ ، فَقَدْ تَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ إِذَا لَمْ تَكُنْ إِلَّا لِجَمَاعَةٍ - وَكَانَ لَا جَمَاعَةَ فَعَلَتْ ذَلِكَ فِي مَا نَقَلَهُ أَهْلُ السِّيَرِ وَالْأَخْبَارِ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ التَّأْوِيلِ إِلَّا جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ - صَحَّ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ . وَقُلْنَا : كَانَ مِنْهُمْ أَبُو لُبَابَةَ ؛ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى ذَلِكَ .