الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ - سُكَّانِ الْبَوَادِي الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ - أَنْ يَتَخَلَّفُوا فِي أَهَالِيهِمْ وَلَا دَارٍ لَهُمْ ، وَلَا أَنْ يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ فِي صُحْبَتِهِ فِي سَفَرِهِ وَالْجِهَادِ مَعَهُ ، وَمُعَاوَنَتِهِ عَلَى مَا يُعَانِيهِ فِي غَزْوِهِ ذَلِكَ . يَقُولُ : إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ هَذَا ( بِأَنَّهُمْ ) - مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ وَبِسَبَبِ أَنَّهُمْ - لا يُصِيبُهُمْ فِي سَفَرِهِمْ إِذَا كَانُوا مَعَهُ ( ظَمَأٌ ) وَهُوَ الْعَطَشُ وَلا نَصَبٌ يَقُولُ : وَلَا تَعَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَعْنِي : وَلَا مَجَاعَةً فِي إِقَامَةِ دِينِ اللَّهِ وَنُصْرَتِهِ ، وَهَدْمِ مَنَارِ الْكُفْرِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَعْنِي : أَرْضًا . يَقُولُ : وَلَا يَطَئُونَ أَرْضًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَطْؤُهُمْ إِيَّاهَا وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا يَقُولُ : وَلَا يُصِيبُونَ مِنْ عَدُوِّ اللَّهِ وَعَدُوِّهِمْ شَيْئًا فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُمْ بِذَلِكَ كُلِّهِ ثَوَابَ عَمَلٍ صَالِحٍ قَدِ ارْتَضَاهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَدَعُ مُحْسِنًا مِنْ خَلْقِهِ أَحْسَنَ فِي عَمَلِهِ فَأَطَاعَهُ فِيمَا أَمَرَهُ ، وَانْتَهَى عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ ، أَنْ يُجَازِيَهُ عَلَى إِحْسَانِهِ ، وَيُثِيبَهُ عَلَى صَالِحِ عَمَلِهِ .
فَلِذَلِكَ كَتَبَ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ - مَا ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ - الثَّوَابَ عَلَى كُلِّ مَا فَعَلَ ، فَلَمْ يُضَيِّعْ لَهُ أَجْرَ فِعْلِهِ ذَلِكَ . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ مُحْكَمَةٌ ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً ، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَخَلَّفَ إِذَا غَزَا خِلَافَهُ فَيَقْعُدَ عَنْهُ ، إِلَّا مَنْ كَانَ ذَا عُذْرٍ .
فَأَمَّا غَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَالْوُلَاةِ فَإِنَّ لِمَنْ شَاءَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَخَلَّفَ خِلَافَهُ ، إِذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِ ضَرُورَةٌ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17462 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ هَذَا إِذَا غَزَا نَبِيُّ اللَّهِ بِنَفْسِهِ ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَخَلَّفَ . ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَوْلَا أَنَّ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا تَخَلَّفْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، لَكِنِّي لَا أَجِدُ سَعَةً - فَأَنْطَلِقُ بِهِمْ مَعِي - وَيَشُقُّ عَلَيَّ أَوْ أَكْرَهُ أَنْ أَدَعَهُمْ بَعْدِي .
17463 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ وَالْفَزَارِيَّ وَالسَّبِيعِيَّ ، وَابْنَ جَابِرٍ وَسَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُونَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ : إِنَّهَا لِأَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَآخِرِهَا مِنَ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلْتُ وَفِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ قِلَّةٌ ، فَلَمَّا كَثُرُوا نَسَخَهَا اللَّهُ ، وَأَبَاحَ التَّخَلُّفَ لِمَنْ شَاءَ ، فَقَالَ : وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 122 ] ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17464 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قَالَ : هَذَا حِينَ كَانَ الْإِسْلَامُ قَلِيلًا فَلَمَّا كَثُرَ الْإِسْلَامُ بَعْدُ قَالَ : وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ اللَّهَ عَنَى بِهَا الَّذِينَ وَصَفَهُمْ بِقَوْلِهِ : وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 90 ] .
ثُمَّ قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، وَلَا لِمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ قَعَدُوا عَنِ الْجِهَادِ مَعَهُ ، أَنْ يَتَخَلَّفُوا خِلَافَهُ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ . وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ نَدَبَ فِي غَزْوَتِهِ تِلْكَ كُلَّ مَنْ أَطَاقَ النُّهُوضَ مَعَهُ إِلَى الشُّخُوصِ ، إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ ، أَوْ أَمَرَهُ بِالْمَقَامِ بَعْدَهُ . فَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الشُّخُوصِ التَّخَلُّفُ .
فَعَدَّدَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - مَنْ تَخَلَّفَ مِنْهُمْ ، فَأَظْهَرَ نِفَاقَ مَنْ كَانَ تَخَلُّفُهُ مِنْهُمْ نِفَاقًا ، وَعَذَرَ مَنْ كَانَ تَخَلُّفُهُ لِعُذْرٍ ، وَتَابَ عَلَى مَنْ كَانَ تَخَلُّفُهُ تَفْرِيطًا مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا ارْتِيَابٍ فِي أَمْرِ اللَّهِ ، إِذْ تَابَ مِنْ خَطَأِ مَا كَانَ مِنْهُ مِنَ الْفِعْلِ . فَأَمَّا التَّخَلُّفُ عَنْهُ فِي حَالِ اسْتِغْنَائِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ مَحْظُورًا ، إِذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ كَرَاهَةٍ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ . وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ إِزَاءَ إِمَامِهِمْ .
فَلَيْسَ بِفَرْضٍ عَلَى جَمِيعِهِمُ النُّهُوضُ مَعَهُ إِلَّا فِي حَالِ حَاجَتِهِ إِلَيْهِمْ ، لِمَا لَا بُدَّ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ مِنْ حُضُورِهِمْ وَاجْتِمَاعِهِمْ وَاسْتِنْهَاضِهِ إِيَّاهُمْ ، فَيَلْزَمُهُمْ حِينَئِذٍ طَاعَتُهُ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَى الْآيَةِ لَمْ تَكُنْ إِحْدَى الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَا نَاسِخَةً لِلْأُخْرَى ، إِذْ لَمْ تَكُنْ إِحْدَاهُمَا نَافِيَةً حُكْمَ الْأُخْرَى مِنْ كُلِّ وُجُوهِهِ ، وَلَا جَاءَ خَبَرٌ يُوَجِّهُ الْحُجَّةَ بِأَنَّ إِحْدَاهُمَا نَاسِخَةٌ لِلْأُخْرَى . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْمَخْمَصَةِ وَأَنَّهَا الْمَجَاعَةُ بِشَوَاهِدِهِ ، وَذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ عَمَّنْ قَالَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِ هَذَا ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا .
وَأَمَّا النَّيْلُ فَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : نَالَنِي يَنَالُنِي وَنِلْتُ الشَّيْءَ فَهُوَ مَنِيلٌ . وَذَلِكَ إِذَا كُنْتَ تَنَالُهُ بِيَدِكَ ، وَلَيْسَ مِنَ التَّنَاوُلِ . وَذَلِكَ أَنَّ التَّنَاوُلَ مِنَ النَّوَالِ يُقَالُ مِنْهُ : نُلْتُ لَهُ ، أَنُولُ لَهُ مِنَ الْعَطِيَّةِ .
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ يَقُولُ : النَّيْلُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : نَالَنِي بِخَيْرٍ يَنُولُنِي نَوَالًا وَأَنَالَنِي خَيْرًا إِنَالَةً . وَقَالَ : كَأَنَّ النَّيْلَ مِنَ الْوَاوِ أُبْدِلَتْ يَاءً لِخِفَّتِهَا وَثِقَلِ الْوَاوِ . وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَعْرُوفٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، بَلْ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ أَنْ تُصَحِّحَ الْوَاوَ مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ ، إِذَا سَكَنَتْ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا ، كَقَوْلِهِمْ : الْقَوْلُ وَالْعَوْلُ وَالْحَوْلُ وَلَوْ جَازَ مَا قَالَ : لَجَازَ الْقَيْلُ .