الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ ، تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَلَمَّا أَنْجَى اللَّهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ظَنُّوا فِي الْبَحْرِ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ، مِنَ الْجَهْدِ الَّذِي كَانُوا فِيهِ ، أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ ، وَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ ، فَتَجَاوَزُوا فِيهَا إِلَى غَيْرِ مَا أَذِنَ اللَّهُ لَهُمْ فِيهِ ، مِنَ الْكُفْرِ بِهِ ، وَالْعَمَلِ بِمَعَاصِيهِ عَلَى ظَهْرِهَا . يَقُولُ اللَّهُ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّمَا اعْتِدَاؤُكُمُ الَّذِي تَعْتَدُونَهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ، وَإِيَّاهَا تَظْلِمُونَ . وَهَذَا الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، يَقُولُ : ذَلِكَ بَلَاغٌ تُبَلَّغُونَ بِهِ فِي عَاجِلِ دُنْيَاكُمْ .
وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ، الْبَغْيُ يَكُونُ مَرْفُوعًا بِالْعَائِدِ مِنْ ذِكْرِهِ فِي قَوْلِهِ : ( عَلَى أَنْفُسِكُمْ ) وَيَكُونُ قَوْلُهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، مَرْفُوعًا عَلَى مَعْنَى : ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، كَمَا قَالَ : لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ ، [ سُورَةُ الْأَحْقَافِ : 35 ] ، بِمَعْنَى : هَذَا بَلَاغٌ . وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ : إِنَّمَا بَغْيُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ، لِأَنَّكُمْ بِكُفْرِكُمْ تُكْسِبُونَهَا غَضَبَ اللَّهِ ، مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، كَأَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا بَغْيُكُمْ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، فَيَكُونُ الْبَغْيُ مَرْفُوعًا بِ الْمَتَاعِ وَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مِنْ صِلَةِ الْبَغْيِ . وَبِرَفْعِ الْمَتَاعِ قَرَأَتِ الْقُرَّاءُ سِوَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ فَإِنَّهُ نَصَبَهُ ، بِمَعْنَى : إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، فَجَعَلَ الْبَغْيَ مَرْفُوعًا بِقَوْلِهِ : عَلَى أَنْفُسِكُمْ ، وَ الْمَتَاعَ مَنْصُوبًا عَلَى الْحَالِ .
وَقَوْلُهُ : ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ يَقُولُ : ثُمَّ إِلَيْنَا بَعْدَ ذَلِكَ مَعَادُكُمْ وَمَصِيرُكُمْ ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْمَمَاتِ يَقُولُ : فَنُخْبِرُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فِي الدُّنْيَا مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ ، وَنُجَازِيكُمْ عَلَى أَعْمَالِكُمُ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْكُمْ فِي الدُّنْيَا .