الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ ، تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ فِي الدُّنْيَا فَعَصَوُا اللَّهُ فِيهَا ، وَكَفَرُوا بِهِ وَبِرَسُولِهِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ ، مِنْ عَمَلِهِ السَّيِّئِ الَّذِي عَمِلَهُ فِي الدُّنْيَا ( بِمِثْلِهَا ) ، مِنْ عِقَابِ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ، يَقُولُ : وَتَغْشَاهُمْ ذِلَّةٌ وَهَوَانٌ ، بِعِقَابِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ، يَقُولُ : مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ مَانِعٍ يَمْنَعُهُمْ ، إِذَا عَاقَبَهُمْ ، يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا قَوْلَهُ : وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17646 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ، قَالَ : تَغْشَاهُمْ ذِلَّةٌ وَشِدَّةٌ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي الرَّافِعِ لِ جَزَاءُ . فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ : رُفِعَ بِإِضْمَارِ لَهُمْ كَأَنَّهُ قِيلَ : وَلَهُمْ جَزَاءُ السَّيِّئَةِ بِمِثْلِهَا ، كَمَا قَالَ : فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 196 ] وَالْمَعْنَى : فَعَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، قَالَ : وَإِنْ شِئْتَ رَفَعْتَ الْجَزَاءَ بِالْبَاءِ فِي قَوْلِهِ : ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا ) . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ : الْجَزَاءُ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ ، وَخَبَرُهُ ( بِمِثْلِهَا ) .
قَالَ : وَمَعْنَى الْكَلَامِ : جَزَاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُهَا ، وَزِيدَتِ الْبَاءُ ، كَمَا زِيدَتْ فِي قَوْلِهِ : بِحَسْبِكَ قَوْلُ السُّوءِ . وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ بَعْضُهُمْ ، فَقَالَ : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ فِي حَسْبَ [ زَائِدَةٌ ] لِأَنَّ التَّأْوِيلَ : إِنْ قُلْتَ السُّوءَ فَهُوَ حَسْبُكَ فَلَمَّا لَمْ تَدْخُلُ فِي الْخَبَرِ ، أُدْخِلَتْ فِي حَسْبِ ، بِحَسْبِكَ أَنْ تَقُومَ : إِنْ قُمْتَ فَهُوَ حَسْبُكَ . فَإِنْ مُدِحَ مَا بَعْدَ حَسْبٍ أَدْخَلْتَ الْبَاءَ ، فِيمَا بَعْدَهَا ، كَقَوْلِكَ : حَسْبُكَ بِزَيْدٍ وَلَا يَجُوزُ بِحَسْبِكَ زَيْدٌ لِأَنَّ زَيْدًا الْمَمْدُوحُ ، فَلَيْسَ بِتَأْوِيلِ خَبَرٍ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ، أَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ مَرْفُوعًا بِإِضْمَارٍ ، بِمَعْنَى : فَلَهُمْ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا ، لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ، فَوَصَفَ مَا أَعَدَّ لِأَوْلِيَائِهِ ، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالْخَبَرِ عَمَّا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَعْدَائِهِ ، فَأَشْبَهُ بِالْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ : وَلِلَّذِينِ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ ، وَإِذَا وُجِّهَ ذَلِكَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى ، كَانَتِ الْبَاءُ صِلَةً لِلْجَزَاءِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( 27 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ ، تَعَالَى ذِكْرُهُ : كَأَنَّمَا أُلْبِسَتْ وُجُوهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ ، وَهِيَ جَمْعُ قِطْعَةٍ . وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ مَا : 17647 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا ، قَالَ : ظُلْمَةٌ مِنَ اللَّيْلِ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : ( قِطَعًا ) فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ : ( قِطَعًا ) بِفَتْحِ الطَّاءِ ، عَلَى مَعْنَى جَمْعِ قِطْعَةٍ وَعَلَى مَعْنَى أَنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ : كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وَجْهَ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ قِطْعَةٌ مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ ، ثُمَّ جَمَعَ ذَلِكَ فَقِيلَ : كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنْ سَوَادٍ ، إِذْ جُمِعَ الْوَجْهُ . وَقَرَأَهُ بَعْضُ مُتَأَخَّرِي الْقُرَّاءِ : قِطَعًا بِسُكُونِ الطَّاءِ ، بِمَعْنَى : كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ سَوَادًا مِنَ اللَّيْلِ ، وَبَقِيَّةً مِنَ اللَّيْلِ سَاعَةً مِنْهُ ، كَمَا قَالَ : فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ، [ سُورَةُ هُودٍ : 81 سُورَةُ الْحِجْرِ : 65 ] ، أَيْ : بِبَقِيَّةٍ قَدْ بَقِيَتْ مِنْهُ . وَيَعْتَلُّ لِتَصْحِيحِ قِرَاءَتِهِ كَذَلِكَ ، أَنَّهُ فِي صُحُفِ أُبَيٍّ : ( وَيَغْشَى وُجُوهَهُمْ قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمٌ ) .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا يَجُوزُ خِلَافُهَا عِنْدِي ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِفَتْحِ الطَّاءِ ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنْ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى تَصْوِيبِهَا ، وَشُذُوذِ مَا عَدَاهَا . وَحَسَبُ الْأُخْرَى دَلَالَةً عَلَى فَسَادِهَا خُرُوجُ قَارِئِهَا عَمَّا عَلَيْهِ قُرَّاءُ أَهْلِ أَمْصَارِ الْإِسْلَامِ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : فَإِنْ كَانَ الصَّوَابُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ مَا قُلْتَ ، فَمَا وَجْهُ تَذْكِيرِ الْمُظْلِمِ وَتَوْحِيدِهِ ، وَهُوَ مِنْ نَعْتِ الْقِطَعِ ، وَ الْقِطَعُ جَمْعٌ لِمُؤَنَّثٍ ؟ قِيلَ : فِي تَذْكِيرِ ذَلِكَ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ قَطْعًا مِنْ اللَّيْلِ .
وَأَنْ يَكُونَ مِنْ نَعْتِ اللَّيْلِ فَلَمَّا كَانَ نَكِرَةً ، وَ اللَّيْلُ مُعَرَّفَةً ، نُصِبَ عَلَى الْقَطْعِ . فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ : كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قَطْعًا مِنَ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ ثُمَّ حُذِفَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ مِنْ الْمُظْلِمِ فَلَمَّا صَارَ نَكِرَةً وَهُوَ مِنْ نَعْتِ اللَّيْلِ ، نُصِبَ عَلَى الْقَطْعِ . وَتُسَمِّي أَهْلُ الْبَصْرَةِ مَا كَانَ كَذَلِكَ حَالًا وَالْكُوفِيُّونَ قَطْعًا .
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ : عَلَى نَحْوِ قَوْلِ الشَّاعِرِ : لَوْ أَنَّ مِدْحَةَ حَيٍّ مُنْشِرٌ أَحَدًا وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَحْسَنُ وَجْهَيْهِ . وَقَوْلُهُ : أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ، يَقُولُ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْتُ لَكَ صِفَتَهُمْ أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ، يَقُولُ : هُمْ فِيهَا مَاكِثُونَ .