الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ ، تَعَالَى ذِكْرُهُ : أَمْ يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ : افْتَرَى مُحَمَّدٌ هَذَا الْقُرْآنَ مِنْ نَفْسِهِ فَاخْتَلَقَهُ وَافْتَعَلَهُ ؟ قُلْ يَا مُحَمَّدُ لَهُمْ : إِنْ كَانَ كَمَا تَقُولُونَ إِنِّي اخْتَلَقْتُهُ وَافْتَرَيْتُهُ ، فَإِنَّكُمْ مِثْلِي مِنَ الْعَرَبِ ، وَلِسَانِي مِثْلُ لِسَانِكُمْ ، وَكَلَامِي [ مِثْلُ كَلَامِكُمْ ] ، فَجِيئُوا بِسُورَةٍ مِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ . وَ الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ : مِثْلِهِ كِنَايَةٌ عَنِ الْقُرْآنِ . وَقَدْ كَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ : مَعْنَى ذَلِكَ : قُلْ فَأْتُوْا بِسُورَةٍ مِثْلِ سُورَتِهِ ثُمَّ أُلْقِيَتْ سُورَةٌ ، وَأُضِيفَ الْمَثَلُ إِلَى مَا كَانَ مُضَافًا إِلَيْهِ السُّورَةُ كَمَا قِيلَ : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [ سُورَةُ يُوسُفَ : 82 ] يُرَادُ بِهِ : وَاسْأَلْ أَهْلَ الْقَرْيَةِ .
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يُنْكِرُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ ، وَيَزْعُمُ أَنَّ مَعْنَاهُ : فَأَتَوْا بِقُرْآنٍ مِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي ، أَنَّ السُّورَةَ إِنَّمَا هِيَ سُورَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ ، وَهِيَ قُرْآنٌ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ جَمِيعَ الْقُرْآنِ . فَقِيلَ لَهُمْ : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ، وَلَمْ يَقِلْ : مِثْلِهَا لِأَنَّ الْكِنَايَةَ أُخْرِجَتْ عَلَى الْمَعْنَى أَعْنِي مَعْنَى السُّورَةِ لَا عَلَى لَفْظِهَا ، لِأَنَّهَا لَوْ أُخْرِجَتْ عَلَى لَفْظِهَا لَقِيلَ : فَأَتَوْا بِسُورَةٍ مِثْلِهَا .
وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ يَقُولُ : وَادْعُوا ، أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهَا مَنْ قَدَرْتُمْ أَنْ تَدْعُوا عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَوْلِيَائِكُمْ وَشُرَكَائِكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، يَقُولُ : مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ ، فَأَجْمِعُوا عَلَى ذَلِكَ وَاجْتَهِدُوا ، فَإِنَّكُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ أَبَدًا . وَقَوْلُهُ : إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ، يَقُولُ : إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي أَنَّ مُحَمَّدًا افْتَرَاهُ ، فَأَتَوْا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ مِنْ جَمِيعِ مِنْ يُعِينُكُمْ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهَا . فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ ، فَلَا شَكَّ أَنَّكُمْ كَذَبَةٌ فِي زَعْمِكُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا افْتَرَاهُ ، لِأَنَّ مُحَمَّدًا لَنْ يَعْدُوَ أَنْ يَكُونَ بَشَرًا مِثْلَكُمْ ، فَإِذَا عَجَزَ الْجَمِيعُ مِنَ الْخَلْقِ أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ، فَالْوَاحِدُ مِنْهُمْ عَنْ أَنْ يَأْتِيَ بِجَمِيعِهِ أَعْجَزُ .