الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِخَلْقِهِ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ يَعْنِي : ذِكْرَى تُذَكِّرُكُمْ عِقَابَ اللَّهِ وَتُخَوِّفُكُمْ وَعِيدَهُ ( مِنْ رَبِّكُمْ ) ، يَقُولُ : مِنْ عِنْدِ رَبِّكُمْ ، لَمْ يَخْتَلِقْهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ يَفْتَعِلْهَا أَحَدٌ ، فَتَقُولُوا : لَا نَأْمَنُ أَنْ تَكُونَ لَا صِحَّةَ لَهَا . وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْقُرْآنَ ، وَهُوَ الْمَوْعِظَةُ مِنَ اللَّهِ . وَقَوْلُهُ : وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ ، يَقُولُ : وَدَوَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ مِنَ الْجَهْلِ ، يَشْفِي بِهِ اللَّهُ جَهْلَ الْجُهَّالِ ، فَيُبَرِّئُ بِهِ دَاءَهُمْ ، وَيَهْدِي بِهِ مِنْ خَلْقِهِ مَنْ أَرَادَ هِدَايَتَهُ بِهِ ( وَهُدًى ) ، يَقُولُ : وَهُوَ بَيَانٌ لِحَلَالِ اللَّهِ وَحَرَامِهِ ، وَدَلِيلٌ عَلَى طَاعَتِهِ وَمَعْصِيَتِهِ ( وَرَحْمَةٌ ) يَرْحَمُ بِهَا مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ ، فَيُنْقِذُهُ بِهِ مِنَ الضَّلَالَةِ إِلَى الْهُدَى ، وَيُنْجِيهِ بِهِ مِنَ الْهَلَاكِ وَالرَّدَى .
وَجَعَلَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ دُونَ الْكَافِرِينَ بِهِ ، لِأَنَّ مَنْ كَفَرَ بِهِ فَهُوَ عَلَيْهِ عَمًى ، وَفِي الْآخِرَةِ جَزَاؤُهُ عَلَى الْكُفْرِ بِهِ الْخُلُودُ فِي لَظَى .