الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ ، تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَقَطَعْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ حَتَّى جَاوَزُوهُ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ ، يَقُولُ : فَتَبِعَهُمْ فِرْعَوْنُ ( وَجُنُودُهُ ) . يُقَالُ مِنْهُ أَتْبَعْتُهُ وَ تَبِعْتُهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ . وَقَدْ كَانَ الْكِسَائِيُّ فِيمَا ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْهُ يَقُولُ : إِذَا أُرِيدَ أَنَّهُ أَتْبَعَهُمْ خَيْرًا أَوْ شَرًّا فَالْكَلَامُ أَتْبَعَهُمْ بِهَمْزِ الْأَلِفِ ، وَإِذَا أُرِيدَ : اتَّبَعَ أَثَرَهُمْ ، أَوِ اقْتَدَى بِهِمْ ، فَإِنَّهُ مِنَ اتَّبَعْتُ ، مُشَدَّدَةُ التَّاءِ غَيْرُ مَهْمُوزَةِ الْأَلِفِ .
( بَغْيًا ) عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ وَمَنْ مَعَهُمَا مِنْ قَوْمِهِمَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ( وَعَدْوًا ) يَقُولُ : وَاعْتِدَاءً عَلَيْهِمْ وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِهِمْ : عَدَا فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ فِي الظُّلْمِ ، يَعْدُو عَلَيْهِ عَدْوًا مِثْلُ غَزَا يَغْزُو غَزْوًا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : بَغْيًا وَعَدْوًا ، وَهُوَ أَيْضًا مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِهِمْ : عَدَا يَعْدُو عُدُوًّا ، مِثْلُ : عَلَا يَعْلُو عُلُوًّا . حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ يَقُولُ : حَتَّى إِذَا أَحَاطَ بِهِ الْغَرَقُ ، وَفِي الْكَلَامِ مَتْرُوكٌ ، قَدْ تَرَكَ ذِكْرَهُ لِدَلَالَةِ مَا ظَهَرَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ : فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا فِيهِ فَغَرَّقْنَاهُ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ .
وَقَوْلُهُ : قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ فِرْعَوْنَ حِينَ أَشَفَى عَلَى الْغَرَقِ ، وَأَيْقَنَ بِالْهَلَكَةِ : ( آمَنْتُ ) يَقُولُ : أَقْرَرْتُ ، أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ . وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ . فَقَرَأَ بَعْضُهُمْ ، وَهُوَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ : ( أَنَّهُ ) بِفَتْحِ الْأَلْفِ مِنْ أَنَّهُ عَلَى إِعْمَالِ آمَنْتُ فِيهَا وَنَصْبِهَا بِهِ .
وَقَرَأَ آخَرُونَ : ( آمَنْتُ إِنَّهُ ) بِكَسْرِ الْأَلْفِ مِنْ إِنَّهُ عَلَى ابْتِدَاءِ الْخَبَرِ . وَهِيَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ الْكُوفِيِّينَ . وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى ، وَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17857 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ : اجْتَمَعَ يَعْقُوبُ وَبَنُوهُ إِلَى يُوسُفَ ، وَهُمُ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ ، وَخَرَجُوا مَعَ مُوسَى مِنْ مِصْرَ حِينَ خَرَجُوا وَهُمْ سِتُّ مِائَةِ أَلْفٍ ، فَلَمَّا أَدْرَكَهُمْ فِرْعَوْنُ فَرَأَوْهُ قَالُوا : يَا مُوسَى أَيْنَ الْمَخْرَجُ ؟ فَقَدْ أَدْرَكْنَا ، قَدْ كُنَّا نَلْقَى مِنْ فِرْعَوْنَ الْبَلَاءَ ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى : أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ، وَيَبِسَ لَهُمُ الْبَحْرُ ، وَكَشَفَ اللَّهُ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ ، وَخَرَجَ فِرْعَوْنُ عَلَى فَرَسٍ حِصَانٍ أَدْهَمَ عَلَى لَوْنِهِ مِنَ الدُّهْمِ ثَمَانِ مِائَةِ أَلْفٍ سِوَى أَلْوَانِهَا مِنَ الدَّوَابِّ ، وَكَانَتْ تَحْتَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَرَسٌ وَدِيقٌ لَيْسَ فِيهَا أُنْثَى غَيْرُهَا ، وَمِيكَائِيلُ يَسُوقُهُمْ ، لَا يَشِذُّ رَجُلٌ مِنْهُمْ إِلَّا ضَمَّهُ إِلَى النَّاسِ . فَلَمَّا خَرَجَ آخِرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، دَنَا مِنْهُ جِبْرِيلُ وَلَصِقَ بِهِ ، فَوَجَدَ الْحِصَانُ رِيحَ الْأُنْثَى ، فَلَمْ يَمْلِكْ فِرْعَوْنُ مِنْ أَمْرِهِ شَيْئًا ، وَقَالَ : أَقْدِمُوا ، فَلَيْسَ الْقَوْمُ أَحَقُّ بِالْبَحْرِ مِنْكُمْ .
ثُمَّ أَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ حَتَّى إِذَا هَمَّ أَوَّلُهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا ، ارْتَطَمَ وَنَادَى فِيهَا : آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَنُودِيَ : ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ ، 17858 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : يَرْفَعُهُ أَحَدُهُمَا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّ جِبْرَائِيلَ كَانَ يَدُسُّ فِي فَمِ فِرْعَوْنَ الطِّينَ مَخَافَةَ أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . 17859 - حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدِ الْعَنْقَزِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : جَعَلَ جِبْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَدُسُّ أَوْ : يَحْشُو فِي فَمِ فِرْعَوْنَ الطِّينَ ، مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ . 17860 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَّامٌ عَنْ عَنْبَسَةَ عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَاذَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ لِي جِبْرِيلُ : يَا مُحَمَّدُ لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَغَطُّهُ وَأَدُسُّ مِنَ الْحَالِ فِي فِيهِ ، مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ رَحْمَةُ اللَّهِ فَيَغْفِرَ لَهُ! يَعْنِي فِرْعَوْنَ .
17861 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لِمَا أَغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ قَالَ : آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ، فَقَالَ جِبْرِيلُ : يَا مُحَمَّدُ لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا آخِذٌ مِنْ حَالِ الْبَحْرِ وَأَدَسِّيهِ فِي فِيهِ ؛ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ . 17862 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرٌو عَنْ حَكَّامٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَمَّا قَالَ فِرْعَوْنُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ جَعَلَ جِبْرِيلُ يَحْشُو فِي فِيهِ الطِّينَ وَالتُّرَابَ . 17863 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ مَيْمُونَ بْنَ مِهْرَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ، قَالَ : أَخَذَ جِبْرَائِيلُ مِنْ حَمْأَةِ الْبَحْرِ فَضَرَبَ بِهَا فَاهُ أَوْ قَالَ : مَلَأَ بِهَا فَاهُ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ .
17864 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ : خَطَبَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ فَحَمِدَ اللَّهِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : إِنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ عَبْدًا طَاغِيًا نَاسِيًا لِذِكْرِ اللَّهِ ، فَلَمَّا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ : آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، قَالَ اللَّهُ : ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾. 17865 - . قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ فِرْعَوْنَ لَمَّا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ جَعَلَ جِبْرِيلُ يَحْشُو فِي فِيهِ التُّرَابَ خَشْيَةَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ .
17866 - . قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ عِيسَى بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ : أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : مَا حَسَدْتُ أَحَدًا مِنْ بَنِي آدَمَ الرَّحْمَةَ إِلَّا فِرْعَوْنَ فَإِنَّهُ حِينَ قَالَ مَا قَالَ : خَشِيتُ أَنْ تَصِلَ إِلَى الرَّبِّ فَيَرْحَمَهُ ، فَأَخَذْتُ مِنْ حَمْأَةِ الْبَحْرِ وَزَبَدِهِ ، فَضَرَبْتُ بِهِ عَيْنَيْهِ وَوَجْهَهُ . 17867 - .
قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ عُمَرَ بْنِ يَعْلَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَقَدْ حَشَوْتُ فَاهُ الْحَمْأَةَ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ .