الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَفَاكَ حُجَّةً عَلَى حَقِيقَةِ مَا أَتَيْتَهُمْ بِهِ ، وَدَلَّالَةً عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِكَ ، هَذَا الْقُرْآنُ ، مِنْ سَائِرِ الْآيَاتِ غَيْرِهِ ، إِذْ كَانَتِ الْآيَاتُ إِنَّمَا تَكُونُ لِمَنْ أُعْطِيهَا دَلَالَةً عَلَى صِدْقِهِ ، لِعَجْزِ جَمِيعِ الْخَلْقِ عَنْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهَا . وَهَذَا الْقُرْآنُ ، جَمِيعُ الْخَلْقِ عَجَزَةٌ عَنْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ ، فَإِنْ هُمْ قَالُوا : افْتَرَيْتَهُ أَيْ : اخْتَلَقْتَهُ وَتَكَذَّبْتَهُ . وَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ مَا ذَكَرْنَا ، قَوْلُهُ : أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ إِلَى آخَرَ الْآيَةِ .
وَيَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ، أَيْ : أَيَقُولُونَ افْتَرَاهُ ؟ وَقَدْ دَلَلْنَا عَلَى سَبَبِ إِدْخَالِ الْعَرَبِ أَمْ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ . فَقُلْ لَهُمْ : يَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ مُفْتَرِيَاتٍ يَعْنِي مُفْتَعَلَاتٍ مُخْتَلَقَاتٍ ، إِنْ كَانَ مَا أَتَيْتُكُمْ بِهِ مِنْ هَذَا الْقُرْآنِ مُفْتَرًى ، وَلَيْسَ بِآيَةٍ مُعْجِزَةٍ كَسَائِرٍ مَا سُئِلْتُهُ مِنَ الْآيَاتِ ، كَالْكَنْزِ الَّذِي قُلْتُمْ : هَلَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ؟ أَوِ الْمَلَكِ الَّذِي قُلْتُمْ : هَلَّا جَاءَ مَعَهُ نَذِيرًا لَهُ مُصَدِّقًا ! فَإِنَّكُمْ قَوْمِي ، وَأَنْتُمْ مِنْ أَهْلِ لِسَانِي ، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ ، وَمُحَالٌ أَنَّ أَقْدَرَ أَخْلُقَ وَحْدِي مِائَةَ سُورَةٍ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ سُورَةً ، وَلَا تَقْدِرُوا بِأَجْمَعِكُمْ أَنْ تَفْتَرُوا وَتَخْتَلِقُوا عَشْرَ سُوَرٍ مِثْلِهَا ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا اسْتَعَنْتُمْ فِي ذَلِكَ بِمَنْ شِئْتُمْ مِنَ الْخَلْقِ . يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قُلْ لَهُمْ : وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَدْعُوَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ يَعْنِي سِوَى اللَّهِ لِافْتِرَاءِ ذَلِكَ وَاخْتِلَاقِهِ مِنَ الْآلِهَةِ ، فَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَى أَنْ تَفْتَرُوا عَشْرَ سُوَرٍ مِثْلِهِ ، فَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ أَنَّكُمْ كَذَبَةٌ فِي قَوْلِكُمْ : ( افْتَرَاهُ ) ، وَصَحَّتْ عِنْدَكُمْ حَقِيقَةُ مَا أَتَيْتُكُمْ بِهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ .
وَلَمْ يَكُنْ لَكُمْ أَنْ تَتَخَيَّرُوا الْآيَاتِ عَلَى رَبِّكُمْ ، وَقَدْ جَاءَكُمْ مِنَ الْحُجَّةِ عَلَى حَقِيقَةِ مَا تُكَذِّبُونَ بِهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، مِثْلُ الَّذِي تَسْأَلُونَ مِنَ الْحُجَّةِ وَتَرْغَبُونَ أَنَّكُمْ تُصَدِّقُونَ بِمَجِيئِهَا . وَقَوْلُهُ : إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ، لِقَوْلِهِ : فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ : قُلْ : فَأَتَوْا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرِيَاتٍ ، إِنَّ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ افْتَرَاهُ مُحَمَّدٌ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ ، مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ . 18008 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جَرِيحٍ : أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ، قَدْ قَالُوهُ ، قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ .
وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ ، قَالَ : يَشْهَدُونَ أَنَّهَا مِثْلُهُ هَكَذَا قَالَ الْقَاسِمُ فِي حَدِيثِهِ .