الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ . فَقَرَأَتْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ قَرَأَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ : ( وَإِنَّ ) مُشَدَّدَةً ( كُلًّا لَمَّا ) مُشَدَّدَةً . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ : فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ : مَعْنَاهُ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ : وَإِنَّ كُلًّا لَمِمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ ، وَلَكِنْ لَمَّا اجْتَمَعَتِ الْمِيمَاتُ حُذِفَتْ وَاحِدَةٌ ، فَبَقِيَتِ ثِنْتَانِ ، فَأُدْغِمَتْ وَاحِدَةٌ فِي الْأُخْرَى ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : وَإِنِّي لَمِمَّا أُصْدِرُ الْأَمْرَ وَجْهَهُ إِذَا هُوَ أَعْيَى بِالسَّبِيلِ مَصَادِرُهُ ثُمَّ تُخَفَّفُ ، كَمَا قَرَأَ بَعْضُ الْقَرَأَةِ : وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ ، [ سُورَةُ النَّحْلِ : 90 ] ، تُخَفُّ الْيَاءُ مَعَ الْيَاءِ .
وَذَكَرَ أَنَّ الْكِسَائِيَّ أَنْشَدَهُ : وَأَشْمَتَّ الْعُدَاةَ بِنَا فَأَضْحَوْا لدَيْ يَتَبَاشَرُونَ بِمَا لَقِينَا وَقَالَ : يُرِيدُ لَدَيَّ يَتَبَاشَرُونَ بِمَا لَقِينَا ، فَحَذَفَ يَاءً ، لِحَرَكَتِهِنَّ وَاجْتِمَاعِهِنَّ ، قَالَ : وَمِثْلُهُ : كَأَنَّ مِنْ آخِرِهَا إِلْقَادِمِ مَخْرِمُ نَجْدٍ فَارِعِ الْمَخَارِمِ وَقَالَ : أَرَادَ : إِلَى الْقَادِمِ ، فَحَذَفَ اللَّامَ عِنْدَ اللَّامِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ : وَإِنَّ كُلًّا شَدِيدًا وَحَقًّا ، لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ . قَالَ : وَإِنَّمَا يُرَادُ إِذَا قُرِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ : وَإِنَّ كُلا لَمَّا بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّنْوِينِ ، وَلَكِنْ قَارِئُ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَذَفَ مِنْهُ التَّنْوِينَ ، فَأَخْرَجَهُ عَلَى لَفْظِ فَعَّلَ لَمَّا ، كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى ، [ سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ : 44 ] ، فَقَرَأَ تَتْرَى ، بَعْضُهُمْ بِالتَّنْوِينِ ، كَمَا قَرَأَ مَنْ قَرَأَ : لَمَّا بِالتَّنْوِينِ ، وَقَرَأَهَا آخَرُونَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ، كَمَا قَرَأَ ( لَمَّا ) بِغَيْرِ تَنْوِينٍ مَنْ قَرَأَهُ .
وَقَالُوا : أَصْلُهُ مِنْ اللَّمِّ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلا لَمًّا ﴾ ، يَعْنِي : أَكْلًا شَدِيدًا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ : وَإِنَّ كُلًّا إِلَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ : بِاللَّهِ لَمَّا قُمْتَ عَنَّا ، وَبِاللَّهِ إِلَّا قُمْتَ عَنَّا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَوَجَدْتُ عَامَّةَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ يُنْكِرُونَ هَذَا الْقَوْلَ ، وَيَأْبَوْنَ أَنْ يَكُونَ جَائِزًا تَوْجِيهُ لَمَّا إِلَى مَعْنَى إِلَّا ، إِلَّا فِي الْيَمِينِ خَاصَّةً .
وَقَالُوا : لَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَعْنَى إِلَّا جَازَ أَنْ يُقَالَ : قَامَ الْقَوْمُ لَمَّا أَخَاكَ بِمَعْنَى : إِلَّا أَخَاكَ ، وَدُخُولُهَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ صَلُحَ دُخُولُ إِلَّا فِيهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَنَا أَرَى أَنَّ ذَلِكَ فَاسِدٌ مِنْ وَجْهٍ هُوَ أَبْيَنُ مِمَّا قَالَهُ الَّذِينَ حَكَيْنَا قَوْلَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ ، فِي فَسَادِهِ ، وَهُوَ أَنَّ إِنَّ إِثْبَاتٌ لِلشَّيْءِ وَتَحْقِيقٌ لَهُ ، وَ إِلَّا ، تَحْقِيقٌ أَيْضًا ، وَإِنَّمَا تَدْخُلُ نَقْضًا لَجَحْدٍ قَدْ تَقَدَّمَهَا . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهَا ، فَوَاجِبٌ أَنْ تَكُونَ عِنْدَ مُتَأَوَّلِهَا التَّأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْهُ ، أَنْ تَكُونَ إِنَّ بِمَعْنَى الْجَحْدِ عِنْدَهُ ، حَتَّى تَكُونَ إِلَّا نَقْضًا لَهَا .
وَذَلِكَ إِنْ قَالَهُ قَائِلٌ ، قَوْلٌ لَا يَخْفَى جَهْلُ قَائِلِهِ ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُخَفِّفَ قَارِئٌ إِنْ فَيَجْعَلُهَا بِمَعْنَى إِنَّ الَّتِي تَكُونُ بِمَعْنَى الْجَحْدِ . وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، فَسَدَتْ قِرَاءَتُهُ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّهُ يَصِيرُ حِينَئِذٍ نَاصِبًا لِكُلٍّ بُقُولِهِ : لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ، وَلَيْسَ فِي الْعَرَبِيَّةِ أَنْ يَنْصِبَ مَا بَعْدَ إِلَّا مِنَ الْفِعْلِ ، الِاسْمَ الَّذِي قَبْلَهَا . لَا تَقُولُ الْعَرَبُ : مَا زَيْدًا إِلَّا ضَرَبْتَ ، فَيَفْسُدُ ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، إِلَّا أَنْ يَرْفَعَ رَافِعٌ الْكُلَّ ، فَيُخَالِفُ بِقِرَاءَتِهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ قِرَاءَةَ الْقَرَأَةِ وَخَطَّ مَصَاحِفِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ مِنَ الْعَيْبِ لِخُرُوجِهِ مِنْ مَعْرُوفِ كَلَامِ الْعَرَبِ .
وَقَدْ قَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قَرَأَةِ الْكُوفِيِّينَ : ( وَإِنْ كُلًّا ) بِتَخْفِيفِ إِنَّ وَنَصْبِ ( كُلًّا لَمَّا ) مُشَدَّدَةً . وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ قَارِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، أَرَادَ إِنَّ الثَّقِيلَةَ فَخَفَّفَهَا ، وَذُكِرَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ : كَأَنْ ثَدْيَيْهِ حُقَّانِ ، فَنَصَبَ ب كَأَنْ ، وَالنُّونُ مُخَفَّفَةً مِنْ كَأَنَّ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : وَوَجْهٌ مُشْرِقُ النَّحْرِ كَأَنْ ثَدْيَيْهِ حُقَّانِ وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمَدَنِيِّينَ بِتَخْفِيفِ : ( إِنْ ) وَنَصْبِ ( كُلًّا ) ، وَتَخْفِيفِ ( لَمَا ) . وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَارِئُ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، قَصَدَ الْمَعْنَى الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنْ قَارِئِ الْكُوفَةِ مِنْ تَخْفِيفِهِ نُونَ إِنَّ وَهُوَ يُرِيدُ تَشْدِيدَهَا ، وَيُرِيدُ ب مَا الَّتِي فِي لَمَّا الَّتِي تَدْخُلُ فِي الْكَلَامِ صِلَةً ، وَأَنْ يَكُونَ قَصَدَ إِلَى تَحْمِيلِ الْكَلَامِ مَعْنَى : وَإِنَّ كُلًّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ .
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ كَانَ فِي قِرَاءَتِهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ : وَإِنَّ كُلًّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ، أَيْ : لَيُوَفِيَنَّ كُلًّا فَيَكُونُ نِيَّتُهُ فِي نَصْبِ كُلٍّ كَانَتْ بِقَوْلِهِ : لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَرَادَ ، فَفِيهِ مِنَ الْقُبْحِ مَا ذَكَرْتُ مِنْ خِلَافِهِ كَلَامَ الْعَرَبِ . وَذَلِكَ أَنَّهَا لَا تَنْصِبُ بِفِعْلٍ بَعْدَ لَامِ الْيَمِينِ اسْمًا قَبْلَهَا . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ : ( وَإِنَّ ) مُشَدَّدَةً ( كُلًّا لَمَا ) مُخَفَّفَةً ( لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ) .
وَلِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ وَجْهَانِ مِنَ الْمَعْنَى : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ قَارِئُهَا أَرَادَ : وَإِنَّ كُلًّا لَمَنْ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ ، فَيُوَجِّهُ مَا الَّتِي فِي لَمَّا إِلَى مَعْنَى مَنْ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ، [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 3 ] ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ لَهَا فِي غَيْرِ بَنِي آدَمَ وَيَنْوِي بِاللَّامِ الَّتِي فِي لَمَّا اللَّامَ الَّتِي تُتَلَقَّى بِهَا إِنْ جَوَابًا لَهَا ، وَبِاللَّامِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ : ( لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ) ، لَامُ الْيَمِينِ ، دَخَلَتْ فِيمَا بَيْنَ مَا وَصِلَتِهَا ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 72 ] ، وَكَمَا يُقَالُ : هَذَا مَا لَغَيْرُهُ أَفْضَلُ مِنْهُ . وَالْوَجْهُ الْآخَرُ : أَنْ يَجْعَلَ مَا الَّتِي فِي لَمَّا بِمَعْنَى مَا الَّتِي تَدْخُلُ صِلَةً فِي الْكَلَامِ ، وَاللَّامُ الَّتِي فِيهَا هِيَ اللَّامُ الَّتِي يُجَابُ بِهَا ، وَاللَّامُ الَّتِي فِي : ( لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ) ، هِيَ أَيْضًا اللَّامُ الَّتِي يُجَابُ بِهَا إِنَّ كُرِّرَتْ وَأُعِيدَتْ ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ مَوْضِعَهَا ، وَكَانَتِ الْأُولَى مِمَّا تُدْخِلُهَا الْعَرَبُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا ، ثُمَّ تُعِيدُهَا بَعْدُ فِي مَوْضِعِهَا ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : فَلَوْ أَنَّ قَوْمِي لَمْ يَكُونُوا أَعِزَّةً لَبَعْدُ لَقَدْ لَاقَيْتُ لَا بُدَّ مَصْرَعَا وَقَرَأَ ذَلِكَ الزُّهْرِيُّ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ : ( وَإِنَّ كُلًّا ) بِتَشْدِيدِ إِنَّ ، وَ ( لَمَّا ) بِتَنْوِينِهَا ، بِمَعْنَى : شَدِيدًا وَحَقًا وَجَمِيعًا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَصَحُّ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ مَخْرَجًا عَلَى كَلَامِ الْعَرَبِ الْمُسْتَفِيضِ فِيهِمْ ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : وَإِنَّ بِتَشْدِيدِ نُونِهَا ، كُلًّا لَمَا بِتَخْفِيفِ مَا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ ، بِمَعْنَى : وَإِنَّ كُلَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَصَصْنَا عَلَيْكَ ، يَا مُحَمَّدُ ، قِصَصَهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ، لَمَنْ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ ، بِالصَّالِحِ مِنْهَا بِالْجَزِيلِ مِنَ الثَّوَابِ ، وَبِالطَّالِحِ مِنْهَا بِالشَّدِيدِ مِنَ الْعِقَابِ فَتَكُونُ مَا بِمَعْنَى مَنْ وَاللَّامُ الَّتِي فِيهَا جَوَابًا ل إِنَّ ، وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ : ( لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ) ، لَامُ قَسَمٍ .
وَقَوْلُهُ : إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ رَبَّكَ بِمَا يَعْمَلُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ مِنْ قَوْمِكِ ، يَا مُحَمَّدُ ، خَبِيرٌ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ عَمَلِهِمْ ، بَلْ يَخْبُرُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُعْلَمُهُ وَيُحِيطُ بِهِ ، حَتَّى يُجَازِيَهُمْ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ جَزَاءَهُمْ .