الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا خَبَرٌ مِنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلْقَوْمِ عَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي رُؤْيَا مَلِكِهِمْ ، وَلَكِنَّهُ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ دَلَالَةً عَلَى نَبُّوتِهِ وَحُجَّةً عَلَى صِدْقِهِ ، كَمَا : - 19377 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : ثُمَّ زَادَهُ اللَّهُ عِلْمَ سَنَةٍ لَمْ يَسْأَلُوهُ عَنْهَا ، فَقَالَ : ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ ، بِالْمَطَرِ وَالْغَيْثِ . وَبِنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19378 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ ، قَالَ : فِيهِ يُغَاثُونَ بِالْمَطَرِ . 19379 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْوَاسِطِيُّ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ : فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ ، قَالَ : بِالْمَطَرِ . 19380 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ ، قَالَ : أَخْبَرَهُمْ بِشَيْءٍ لَمْ يَسْأَلُوهُ عَنْهُ ، وَكَانَ اللَّهُ قَدْ عَلَّمَهُ إِيَّاهُ ، عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ ، بِالْمَطَرِ .
19381 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ ، بِالْمَطَرِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : وَفِيهِ يَعْصِرُونَ الْعِنَبَ وَالسِّمْسِمَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19382 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ، قَالَ : الْأَعْنَابُ وَالدُّهْنُ . 19383 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ، السِّمْسِمَ دُهْنًا ، وَالْعِنَبَ خَمْرًا ، وَالزَّيْتُونَ زَيْتًا . 19384 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ، يَقُولُ : يُصِيبُهُمْ غَيْثٌ ، فَيَعْصِرُونَ فِيهِ الْعِنَبَ ، وَيَعْصِرُونَ فِيهِ الزَّيْتَ ، وَيَعْصِرُونَ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ .
19385 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ، قَالَ : يَعْصِرُونَ أَعْنَابَهُمْ . 19386 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَسْبَاطٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ، قَالَ : الْعِنَبَ . 19387 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْوَاسِطِيُّ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ : وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ، قَالَ : الزَّيْتَ .
19388 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ : وَفِيهِ يَعْصِرُونَ قَالَ : كَانُوا يَعْصِرُونَ الْأَعْنَابَ وَالثَّمَرَاتِ . 19389 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ، قَالَ : يَعْصِرُونَ الْأَعْنَابَ وَالزَّيْتُونَ وَالثِّمَارَ مِنَ الْخِصْبِ . هَذَا عِلْمٌ آتَاهُ اللَّهُ يُوسُفَ لَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ، وَفِيهِ يَحْلِبُونَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19390 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي فَضَالَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ، قَالَ : فِيهِ يَحْلِبُونَ . 19391 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْفَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ : وَفِيهِ تَعْصِرُونَ بِالتَّاءِ ، يَعْنِي : تَحْتَلِبُونَ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ . فَقَرَأَهُ بَعْضُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ : وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ، بِالْيَاءِ ، بِمَعْنَى مَا وَصَفْتُ ، مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ : عَصْرُ الْأَعْنَابِ وَالْأَدْهَانِ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْكُوفِيِّينَ : وَفِيهِ تَعْصِرُونَ ، بِالتَّاءِ .
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ : وَفِيهِ يُعْصَرُونَ ، بِمَعْنَى : يُمْطَرُونَ . وَهَذِهِ قِرَاءَةٌ لَا أَسْتَجِيزُ الْقِرَاءَةَ بِهَا ، لِخِلَافِهَا مَا عَلَيْهِ قَرَأَةُ الْأَمْصَارِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ أَنَّ لِقَارِئِهِ الْخِيَارَ فِي قِرَاءَتِهِ بِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ شَاءَ ، إِنْ شَاءَ بِالْيَاءِ ، رَدًّا عَلَى الْخَبَرِ بِهِ عَنِ النَّاسِ ، عَلَى مَعْنَى : فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ أَعْنَابَهُمْ وَأَدْهَانَهُمْ وَإِنْ شَاءَ بِالتَّاءِ ، رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ : إِلا قَلِيلا مِمَّا تُحْصِنُونَ ، وَخِطَابًا بِهِ لِمَنْ خَاطَبَهُ بِقَوْلِهِ : يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلا قَلِيلا مِمَّا تُحْصِنُونَ لِأَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ بِاتِّفَاقِ الْمَعْنَى ، وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْأَلْفَاظُ بِهِمَا .
وَذَلِكَ أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ كَانَ لَا شَكَّ أَنَّهُمْ إِذَا أُغِيثُوا وَعُصِرُوا ، أُغِيثَ النَّاسُ الَّذِينَ كَانُوا بِنَاحِيَتِهِمْ وَعُصِرُوا . وَكَذَلِكَ كَانُوا إِذَا أُغِيثَ النَّاسُ بِنَاحِيَتِهِمْ وَعُصِرُوا ، أُغِيثَ الْمُخَاطَبُونَ وَعُصِرُوا ، فَهُمَا مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى ، وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْأَلْفَاظُ بِقِرَاءَةِ ذَلِكَ . وَكَانَ بَعْضُ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِأَقْوَالِ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ ، مِمَّنْ يُفَسِّرُ الْقُرْآنَ بِرَأْيِهِ عَلَى مَذْهَبِ كَلَامِ الْعَرَبِ ، يُوَجِّهُ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَفِيهِ يَعْصِرُونَ إِلَى : وَفِيهِ يَنْجُونَ مِنَ الْجَدَبِ وَالْقَحْطِ بِالْغَيْثِ ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ مِنْ الْعَصْرِ وَ الْعُصْرَةِ الَّتِي بِمَعْنَى الْمَنْجَاةِ ، مِنْ قَوْلِ أَبِي زُبَيْدٍ الطَّائِيِّ : صَادِيًا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغَاثٍ وَلَقَدْ كَانَ عُصْرَةَ المَنْجُودِ أَيِ الْمَقْهُورِ .
وَمِنْ قَوْلِ لَبِيدٍ : فَبَاتَ وَأَسْرَى الْقَوْمُ آخِرَ لَيْلِهِمْ وَمَا كَانَ وَقَّافًا بِغَيْرِ مُعَصَّرِ وَذَلِكَ تَأْوِيلٌ يَكْفِي مِنَ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطَئِهِ خِلَافُهُ قَوْلَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ . وَأَمَّا الْقَوْلُ الَّذِي رَوَى الْفَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، فَقَوْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ ، لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَعْرُوفِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَخِلَافُ مَا يُعْرَفُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ .