الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ الَّذِي بِيَدِهِ نَفْعُهُمْ وَضُرُّهُمْ مَا لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ : هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى الَّذِي لَا يُبْصِرُ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدِي لِمَحَجَّةٍ يَسْلُكُهَا إِلَّا بِأَنْ يُهْدَى وَ الْبَصِيرُ الَّذِي يَهْدِي الْأَعْمَى لِمَحَجَّةِ الطَّرِيقِ الَّذِي لَا يُبْصِرُ؟ إِنَّهُمَا لَا شَكَّ لَغَيْرُ مُسْتَوِيَيْنِ . يَقُولُ : فَكَذَلِكَ لَا يَسْتَوِي الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُبْصِرُ الْحَقَّ فَيَتَّبِعُهُ وَيَعْرِفُ الْهُدَى فَيَسْلُكُهُ ، وَأَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ لَا تَعْرِفُونَ حَقًّا وَلَا تُبْصِرُونَ رَشَدًا . وَقَوْلُهُ : أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَهَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ الَّتِي لَا تُرَى فِيهَا الْمَحَجَّةُ فَتُسْلَكُ وَلَا يُرَى فِيهَا السَّبِيلُ فَيُرْكَبُ وَالنُّورُ الَّذِي تُبْصَرُ بِهِ الْأَشْيَاءُ وَيَجْلُو ضَوْءُهُ الظَّلَامَ؟ يَقُولُ : إِنَّ هَذَيْنِ لَا شَكَّ لَغَيْرُ مُسْتَوِيَيْن ، فَكَذَلِكَ الْكُفْرُ بِاللَّهِ ، إِنَّمَا صَاحِبُهُ مِنْهُ فِي حَيْرَةٍ يَضْرِبُ أَبَدًا فِي غَمْرَةٍ لَا يَرْجِعُ مِنْهُ إِلَى حَقِيقَةٍ ، وَالْإِيمَانُ بِاللَّهِ صَاحِبُهُ مِنْهُ فِي ضِيَاءٍ يَعْمَلُ عَلَى عِلْمٍ بِرَبِّهِ ، وَمَعْرِفَةٍ مِنْهُ بِأَنَّ لَهُ مُثِيبًا يُثِيبُهُ عَلَى إِحْسَانِهِ وَمُعَاقِبًا يُعَاقِبُهُ عَلَى إِسَاءَتِهِ وَرَازِقًا يَرْزُقُهُ وَنَافِعًا يَنْفَعُهُ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20305 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ، أَمَّا الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ فَالْكَافِرُ وَالْمُؤْمِنُ وَأَمَّا الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ فَالْهُدَى وَالضَّلَالَةِ . وَقَوْلُهُ : أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ : أَخَلَقَ أَوْثَانُكُمُ الَّتِي اتَّخَذْتُمُوهَا أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ خَلْقًا كَخَلْقِ اللَّهِ ، فَاشْتَبَهَ عَلَيْكُمْ أَمْرُهَا فِيمَا خَلَقَتْ وَخَلَقَ اللَّهُ فَجَعَلْتُمُوهَا لَهُ شُرَكَاءَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ، أَمْ إِنَّمَا بِكُمُ الْجَهْلُ وَالذَّهَابُ عَنِ الصَّوَابِ؟ فَإِنَّهُ لَا يُشْكِلُ عَلَى ذِي عَقْلٍ أَنَّ عِبَادَةَ مَا لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ مِنَ الْفِعْلِ جَهْلٌ ، وَأَنَّ الْعِبَادَةَ إِنَّمَا تَصْلُحُ لِلَّذِي يُرْجَى نَفْعُهُ وُيخْشَى ضَرُّهُ ، كَمَا أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُشْكِلٍ خَطَؤُهُ وَجَهْلُ فَاعِلِهِ ، كَذَلِكَ لَا يُشْكِلُ جَهْلُ مَنْ أَشْرَكَ فِي عِبَادَةِ مَنْ يَرْزُقُهُ وَيَكْفُلُهُ ويَمُونُهُ ، مَنْ لَا يَقْدِرُ لَهُ عَلَى ضَرَرٍ وَلَا نَفْعٍ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20306 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ حَمَلَهُمْ ذَلِكَ عَلَى أَنْ شَكُّوا فِي الْأَوْثَانِ . 20307 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ وَرْقَاءَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
20308 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ، خَلَقُوا كَخَلْقِهِ ، فَحَمَلَهُمْ ذَلِكَ عَلَى أَنْ شَكُّوا فِي الْأَوْثَانِ . 20309 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شَبَابَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ . 20310 - .
قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ : سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ : أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ضُرِبَتْ مَثَلًا . وَقَوْلُهُ : قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ إِذَا أَقَرُّوا لَكَ أَنَّ أَوْثَانَهُمُ الَّتِي أَشْرَكُوهَا فِي عِبَادَةِ اللَّهِ لَا تَخْلُقُ شَيْئًا : فَاللَّهُ خَالِقُكُمْ وَخَالِقُ أَوْثَانِكُمْ وَخَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ، فَمَا وَجْهُ إِشْرَاكِكُمْ مَا لَا يَخْلُقُ وَلَا يَضُرُّ؟ وَقَوْلُهُ : وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ، يَقُولُ : وَهُوَ الْفَرْدُ الَّذِي لَا ثَانِيَ لَهُ ( الْقَهَّارُ ) ، الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْأُلُوهَةَ وَالْعِبَادَةَ ، لَا الْأَصْنَامُ وَالْأَوْثَانُ الَّتِي لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ .