حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا . . . "

) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا مَثَلٌ ضَرْبَهُ اللَّهُ لِلْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، وَالْإِيمَانِ بِهِ وَالْكُفْرِ . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : مَثَلُ الْحَقِّ فِي ثَبَاتِهِ وَالْبَاطِلِ فِي اضْمِحْلَالِهِ ، مَثَلُ مَاءٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ، يَقُولُ : فَاحْتَمَلَتْهُ الْأَوْدِيَةُ بِمَلْئِهَا ، الْكَبِيرُ بِكِبَرِهِ ، وَالصَّغِيرُ بِصِغَرِهِ فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا ، يَقُولُ : فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ الَّذِي حَدَثَ عَنْ ذَلِكَ الْمَاءِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ ، زَبَدًا عَالِيًا فَوْقَ السَّيْلِ . فَهَذَا أَحَدُ مَثَلَيِ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، فَالْحَقُّ هُوَ الْمَاءُ الْبَاقِي الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ ، وَالزَّبَدُ الَّذِي لَا يُنْتَفَعُ بِهِ هُوَ الْبَاطِلُ .

وَالْمَثَلُ الْآخَرُ : وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَثَلٌ آخَرُ لِلْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، مَثَلُ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ يُوقِدُ عَلَيْهَا النَّاسُ فِي النَّارِ طَلَبَ حِلْيَةٍ يَتَّخِذُونَهَا أَوْ مَتَاعٍ ، وَذَلِكَ مِنَ النُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ وَالْحَدِيدِ ، يُوقَدُ عَلَيْهِ لِيُتَّخَذَ مِنْهُ مَتَاعٌ يُنْتَفَعُ بِهِ ، زَبَدٌ مِثْلُهُ ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ زَبَدٌ مِثْلُهُ ، يَعْنِي مِثْلَ زَبَدِ السَّيْلِ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَيَذْهَبُ بَاطِلًا كَمَا لَا يُنْتَفَعُ بِزَبَدِ السَّيْلِ وَيَذْهَبُ بَاطِلًا . وَرُفِعَ الزَّبَدُ بِقَوْلِهِ : وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ . وَمَعْنَى الْكَلَامِ : وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ زَبَدٌ مِثْلُ زَبَدِ السَّيْلِ فِي بِطُولِ زَبَدِهِ ، وَبَقَاءِ خَالِصِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ .

يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ، يَقُولُ : كَمَا مَثَّلَ اللَّهُ مَثَلَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ ، فِي بُطُولِ الْكُفْرِ وَخَيْبَةِ صَاحِبِهِ عِنْدَ مُجَازَاةِ اللَّهِ ، بِالْبَاقِي النَّافِعِ مِنْ مَاءِ السَّيْلِ وَخَالِصِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، كَذَلِكَ يُمَثِّلُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً يَقُولُ : فَأَمَّا الزَّبَدُ الَّذِي عَلَا السَّيْلَ وَالذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَالنُّحَاسَ وَالرَّصَاصَ عِنْدَ الْوَقُودِ عَلَيْهَا ، فَيَذْهَبُ بِدَفْعِ الرِّيَاحِ وَقَذْفِ الْمَاءِ بِهِ ، وَتَعَلُّقِهِ بِالْأَشْجَارِ وَجَوَانِبِ الْوَادِي وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ مِنَ الْمَاءِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ ، فَالْمَاءُ يَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ فَتَشْرَبُهُ ، وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ تَمْكُثُ لِلنَّاسِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ يَقُولُ : كَمَا مَثَّلَ هَذَا الْمَثَلَ لِلْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ ، كَذَلِكَ يُمَثِّلُ الْأَمْثَالَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20311 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : أَنْـزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ ، احْتَمَلَتْ مِنْهُ الْقُلُوبُ عَلَى قَدْرِ يَقِينِهَا وَشَكِّهَا ، فَأَمَّا الشَّكُّ فَلَا يَنْفَعُ مَعَهُ الْعَمَلُ ، وَأَمَّا الْيَقِينُ فَيَنْفَعُ اللَّهُ بِهِ أَهْلَهُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ، وَهُوَ الشَّكُّ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ، وَهُوَ الْيَقِينُ ، كَمَا يُجْعَلُ الْحُلِيُّ فِي النَّارِ فَيُؤْخَذُ خَالِصُهُ وَيُتْرَكُ خَبَثُهُ فِي النَّارِ ، فَكَذَلِكَ يَقْبَلُ اللَّهُ الْيَقِينَ وَيَتْرُكُ الشَّكَّ .

20312 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : أَنْـزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا ، يَقُولُ : احْتَمَلَ السَّيْلُ مَا فِي الْوَادِي مِنْ عُودٍ وَدِمْنَةٍ ، وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ فَهُوَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْحِلْيَةُ وَالْمَتَاعُ وَالنُّحَاسُ وَالْحَدِيدُ ، وَلِلنُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ خَبَثٌ ، فَجَعَلَ اللَّهُ مَثَلَ خَبَثِهِ كَزَبَدِ الْمَاءِ . فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ ، وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ الْأَرْضَ فَمَا شَرِبَتْ مِنَ الْمَاءِ فَأَنْبَتَتْ . فَجَعَلَ ذَلِكَ مَثَلَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ يَبْقَى لِأَهْلِهِ ، وَالْعَمَلُ السَّيِّئُ يَضْمَحِلُّ عَنْ أَهْلِهِ ، كَمَا يَذْهَبُ هَذَا الزَّبَدُ ، فَكَذَلِكَ الْهُدَى وَالْحَقُّ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، فَمَنْ عَمِلَ بِالْحَقِّ كَانَ لَهُ ، وَبَقِيَ كَمَا يَبْقَى مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فِي الْأَرْضِ .

وَكَذَلِكَ الْحَدِيدُ لَا يُسْتَطَاعُ أَنْ تُجْعَلَ مِنْهُ سِكِّينٌ وَلَا سَيْفٌ حَتَّى يَدْخُلَ فِي النَّارِ فَتَأْكُلُ خَبَثَهُ ، فَيَخْرُجُ جَيِّدُهُ فَيُنْتَفَعُ بِهِ . فَكَذَلِكَ يَضْمَحِلُّ الْبَاطِلُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، وَأُقِيمَ النَّاسُ ، وَعُرِضَتِ الْأَعْمَالُ ، فَيَزِيغُ الْبَاطِلُ وَيَهْلَكُ ، وَيَنْتَفِعُ أَهْلُ الْحَقِّ بِالْحَقِّ ، ثُمَّ قَالَ : وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ . 20313 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، فِي قَوْلِهِ : أَنْـزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ إِلَى : أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ ، فَقَالَ : ابْتِغَاءَ حِلْيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، أَوْ مَتَاعِ الصُّفْرِ وَالْحَدِيدِ .

قَالَ : كَمَا أَوْقَدَ عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالصُّفْرِ وَالْحَدِيدِ فَخَلَصَ خَالِصُهُ . قَالَ : كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ، كَذَلِكَ بَقَاءُ الْحَقِّ لِأَهْلِهِ فَانْتَفَعُوا بِهِ . 20314 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُولُ : أَنْـزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ، قَالَ : مَا أَطَاقَتْ مَلْأَهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا قَالَ : انْقَضَى الْكَلَامُ ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ فَقَالَ : وَمِمَّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حَلَّيْةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ قَالَ : الْمَتَاعُ : الْحَدِيدُ وَالنُّحَاسُ وَالرَّصَاصُ وَأَشْبَاهُهُ زَبَدٌ مِثْلُهُ قَالَ : خَبَثُ ذَلِكَ مِثْلُ زَبَدِ السَّيْلِ .

قَالَ : وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ، وَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ، قَالَ : فَذَلِكَ مَثَلُ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ . 20315 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ . فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَزَادَ فِيهِ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَالَ مُجَاهِدٌ قَوْلُهُ : فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً قَالَ : جُمُودًا فِي الْأَرْضِ ، وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ، يَعْنِي الْمَاءَ .

وَهُمَا مَثَلَانِ : مَثَلُ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ . 20316 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : حَدَّثَنَا شَبَابَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ : زَبَدًا رَابِيًا السَّيْلُ مِثْلُ خَبَثِ الْحَدِيدِ وَالْحِلْيَةِ فَيَذْهَبُ جُفَاءً جُمُودًا فِي الْأَرْضِ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ ، الْحَدِيدُ وَالنُّحَاسُ وَالرَّصَاصُ وَأَشْبَاهُهُ . وَقَوْلُهُ : وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ، إِنَّمَا هُمَا مَثَلَانِ لِلْحَقِّ وَالْبَاطِلِ .

20317 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ 20318 - . قَالَ : وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ وَرْقَاءَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ - يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ - فِي قَوْلِهِ : فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا قَالَ : بِمِلْئِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا ، قَالَ : الزَّبَدُ : السَّيْلُ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ ، قَالَ : خَبَثُ الْحَدِيدِ وَالْحِلْيَةِ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً قَالَ : جُمُودًا فِي الْأَرْضِ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ قَالَ : الْمَاءُ ، وَهُمَا مَثَلَانِ لِلْحَقِّ وَالْبَاطِلِ . 20319 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : أَنْـزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ، الصَّغِيرُ بِصِغَرِهِ ، وَالْكَبِيرُ بِكِبَرِهِ فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا أَيْ عَالِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَ الْجُفَاءُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّجَرِ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ .

هَذِهِ ثَلَاثَةُ أَمْثَالٍ ضَرَبَهَا اللَّهُ فِي مَثَلٍ وَاحِدٍ . يَقُولُ : كَمَا اضْمَحَلَّ هَذَا الزَّبَدُ فَصَارَ جُفَاءً لَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَلَا تُرْجَى بَرَكَتُهُ ، كَذَلِكَ يَضْمَحِلُّ الْبَاطِلُ عَنْ أَهْلِهِ كَمَا اضْمَحَلَّ هَذَا الزَّبَدُ ، وَكَمَا مَكَثَ هَذَا الْمَاءُ فِي الْأَرْضِ ، فَأَمْرَعَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ وَأَخْرَجَتْ نَبَاتَهَا ، كَذَلِكَ يَبْقَى الْحَقُّ لِأَهْلِهِ كَمَا بَقِيَ هَذَا الْمَاءُ فِي الْأَرْضِ ، فَأَخْرَجَ اللَّهُ بِهِ مَا أَخْرَجَ مِنَ النَّبَاتِ . قَوْلُهُ : وَمِمَّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ الْآيَةَ ، كَمَا يَبْقَى خَالِصُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ حِينَ أُدْخِلَ النَّارَ وَذَهَبَ خَبَثُهُ ، كَذَلِكَ يَبْقَى الْحَقُّ لِأَهْلِهِ قَوْلُهُ : أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ ، يَقُولُ : هَذَا الْحَدِيدُ وَالصُّفْرُ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ فِيهِ مَنَافِعُ .

يَقُولُ : كَمَا يَبْقَى خَالِصُ هَذَا الْحَدِيدِ وَهَذَا الصُّفْرِ حِينَ أُدْخِلَ النَّارَ وَذَهَبَ خَبَثُهُ ، كَذَلِكَ يَبْقَى الْحَقُّ لِأَهْلِهِ كَمَا بَقِيَ خَالِصُهُمَا . 20320 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ، الْكَبِيرُ بِقَدَرِهِ ، وَالصَّغِيرُ بِقَدَرِهِ زَبَدًا رَابِيًا قَالَ : رَبَا فَوْقَ الْمَاءِ الزَّبَدُ وَمِمَّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ قَالَ : هُوَ الذَّهَبُ إِذَا أُدْخِلَ النَّارَ بَقِيَ صَفْوُهُ وَنُفِيَ مَا كَانَ مِنْ كَدَرِهِ . وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ، يَتَعَلَّقُ بِالشَّجَرِ فَلَا يَكُونُ شَيْئًا ، هَذَا مَثَلُ الْبَاطِلِ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ، وَهَذَا يُخْرِجُ النَّبَاتَ ، وَهُوَ مَثَلُ الْحَقِّ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ قَالَ : الْمَتَاعُ الصُّفْرُ وَالْحَدِيدُ .

20321 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هَوْذَةُ بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَوْفٌ قَالَ : بَلَغَنِي فِي قَوْلِهِ : أَنْـزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا قَالَ : إِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا الصَّغِيرُ عَلَى قَدَرِهِ ، وَالْكَبِيرُ عَلَى قَدَرِهِ ، وَمَا بَيْنَهُمَا عَلَى قَدَرِهِ فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا يَقُولُ : عَظِيمًا ، وَحَيْثُ اسْتَقَرَّ الْمَاءُ يَذْهَبُ الزَّبَدُ جُفَاءً فَتَطِيرُ بِهِ الرِّيحُ فَلَا يَكُونُ شَيْئًا ، وَيَبْقَى صَرِيحُ الْمَاءِ الَّذِي يَنْفَعُ النَّاسَ ، مِنْهُ شَرَابُهُمْ وَنَبَاتُهُمْ وَمَنْفَعَتُهُمْ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ ، وَمِثْلُ الزَّبَدِ كُلُّ شَيْءٍ يُوقَدُ عَلَيْهِ فِي النَّارِ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالنُّحَاسُ وَالْحَدِيدُ ، فَيَذْهَبُ خَبَثُهُ وَيَبْقَى مَا يَنْفَعُ فِي أَيْدِيهِمْ ، وَالْخُبْثُ وَالزَّبَدُ مِثْلُ الْبَاطِلِ ، وَالَّذِي يَنْفَعُ النَّاسَ مِمَّا تَحَصَّلَ فِي أَيْدِيهِمْ مِمَّا يَنْفَعُهُمُ الْمَالُ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ . 20322 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَمِمَّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ قَالَ : هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْحَقِّ وَالْبَاطِلِ . فَقَرَأَ : أَنْـزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا هَذَا الزَّبَدُ لَا يَنْفَعُ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ ، هَذَا لَا يَنْفَعُ أَيْضًا قَالَ : وَبَقِيَ الْمَاءُ فِي الْأَرْضِ فَنَفَعَ النَّاسَ ، وَبَقِيَ الْحَلْيُ الَّذِي صَلَحَ مِنْ هَذَا ، فَانْتَفَعَ النَّاسُ بِهِ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ ، وَقَالَ : هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْحَقِّ وَالْبَاطِلِ .

20323 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا قَالَ : الصَّغِيرُ بِصِغَرِهِ ، وَالْكَبِيرُ بِكِبَرِهِ . 20324 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ عَطَاءٍ : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، فَضَرَبَ مَثَلَ الْحَقِّ كَمَثَلِ السَّيْلِ الَّذِي يَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ، وَضَرَبَ مَثَلَ الْبَاطِلِ كَمَثَلِ الزَّبَدِ الَّذِي لَا يَنْفَعُ النَّاسَ . وَعَنَى بِقَوْلِهِ : رَابِيًا ، عَالِيًا مُنْتَفِخًا ، مِنْ قَوْلِهِمْ : رَبَا الشَّيْءُ يَرْبُو رُبُوًّا فَهُوَ رَابٍ ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلنَّشَزِ مِنَ الْأَرْضِ كَهَيْئَةِ الْأَكَمَةِ : رَابِيَةٌ وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ .

[ سُورَةُ الْحَجِّ 5 - سُورَةُ فُصِّلَتْ 39 ] . وَقِيلَ لِلنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ وَالْحَدِيدِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْمَتَاعُ لِأَنَّهُ يُسْتَمْتَعُ بِهِ ، وَكُلُّ مَا يَتَمَتَّعُ بِهِ النَّاسُ فَهُوَ مَتَاعٌ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : تَمَتَّعْ يا مُشَعَّثُ إِنَّ شَيْئًا سَبَقْتَ بِهِ الْمَمَاتَ هُوَ الْمَتَاعُ وَأَمَّا الْجُفَاءُ فَإِنِّي : 20325 - حُدِّثْتُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى ، قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ : يُقَالُ : قَدْ أَجْفَأَتِ الْقِدْرُ ، وَذَلِكَ إِذَا غَلَتْ فَانْصَبَّ زَبَدُهَا ، أَوْ سَكَنَتْ فَلَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : فَيَذْهَبُ جُفَاءً تُنْشِفُهُ الْأَرْضُ ، وَقَالَ : يُقَالُ : جَفَا الْوَادِي وَأَجْفَى فِي مَعْنَى نَشِفَ ، وَ انْجَفَى الْوَادِي إِذَا جَاءَ بِذَلِكَ الْغُثَاءِ ، وَ غَثَى الْوَادِي فَهُوَ يَغْثَى غَثْيًا وَغَثَيَانًا وَذُكِرَ عَنِ الْعَرَبِ أَنَّهَا تَقُولُ : جَفَأْتُ الْقِدْرَ أَجْفَؤُهَا إِذَا أَخْرَجْتُ جُفَاءَهَا ، وَهُوَ الزَّبَدُ الَّذِي يَعْلُوهَا وَ أَجْفَأْتُهَا إِجْفَاءً لُغَةٌ .

قَالَ : وَقَالُوا : جَفَأْتُ الرَّجُلَ جَفْأً صَرَعْتُهُ . وَقِيلَ : فَيَذْهَبُ جُفَاءً بِمَعْنَى جَفَأً لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : جَفَأَ الْوَادِي غُثاءَهُ ، فَخَرَجَ مَخْرَجَ الِاسْمِ ، وَهُوَ مَصْدَرٌ ، كَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ فِي مَصْدَرِ كُلِّ مَا كَانَ مِنْ فِعْلِ شَيْءٍ اجْتَمَعَ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ كَ الْقُمَاشِ وَالدُّقَاقِ وَالْحُطَامِ وَالْغُثَاءِ تُخْرِجُهُ عَلَى مَذْهَبِ الِاسْمِ ، كَمَا فَعَلَتْ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِمْ : أَعْطَيْتُهُ عَطَاءً بِمَعْنَى الْإِعْطَاءِ ، وَلَوْ أُرِيدَ مِنَ الْقُمَاشِ الْمَصْدَرُ عَلَى الصِّحَّةِ لَقِيلَ : قَدْ قَمَشَهُ قَمْشًا .

موقع حَـدِيث