الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ . فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْمَدِينَةِ وَالشَّأْمِ : اللَّهُ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ بِرَفْعِ اسْمِ اللَّهُ عَلَى الِابْتِدَاءِ ، وَتَصْيِيرِ قَوْلِهِ : الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ، خَبَرَهُ . وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ : ( اللَّهِ الَّذِي ) بِخَفْضِ اسْمِ اللَّهِ عَلَى إِتْبَاعِ ذَلِكَ ( الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) ، وَهُمَا خَفْضٌ .
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي تَأْوِيلِهِ إِذْ قُرِئَ كَذَلِكَ . فَذُكِرَ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ بِالْخَفْضِ . وَيَقُولُ : مَعْنَاهُ : بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ [ اللَّهِ ] الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ .
وَيَقُولُ : هُوَ مِنَ الْمُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيمُ ، وَيُمَثِّلُهُ بِقَوْلِ الْقَائِلِ : مَرَرْتُ بِالظَّرِيفِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْكَلَامُ الَّذِي يُوضَعُ مَكَانَ الِاسْمِ النَّعْتُ ، ثُمَّ يُجْعَلُ الِاسْمُ مَكَانَ النَّعْتِ ، فَيَتْبَعُ إِعْرَابُهُ إِعْرَابَ النَّعْتِ الَّذِي وُضِعَ مَوْضِعَ الِاسْمِ ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ : لَوْ كُنْتُ ذَا نَبْلٍ وَذَا شَزِيبِ مَا خِفْتُ شَدَّاتِ الْخَبِيثِ الذِّيبِ وَأَمَّا الْكِسَائِيُّ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ : مَنْ خَفَضَ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُ كَلَامًا وَاحِدًا ، وَأَتْبَعَ الْخَفْضَ الْخَفْضَ ، وَبِالْخَفْضِ كَانَ يَقْرَأُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي ، أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَئِمَّةٌ مِنَ الْقُرَّاءِ ، مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ . وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي قَرَأَهُ بِالرَّفْعِ أَرَادَ مَعْنَى مَنْ خَفَضَ فِي إِتْبَاعِ الْكَلَامِ بَعْضَهُ بَعْضًا ، وَلَكِنَّهُ رَفَعَ لِانْفِصَالِهِ مِنَ الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهُ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ثُمَّ قَالَ : التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 111 ، 112 ] .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ اللَّهِ الَّذِي يَمْلِكُ جَمِيعَ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ . يَقُولُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْكِتَابَ لِتَدْعُوَ عِبَادِي إِلَى عِبَادَةِ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ ، وَيَدَعُوا عِبَادَةَ مَنْ لَا يَمْلِكُ لَهُمْ وَلَا لِنَفْسِهِ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ . ثُمَّ تَوَعَّدَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَنْ كَفَرَ بِهِ ، وَلَمْ يَسْتَجِبْ لِدُعَاءِ رَسُولِهِ إِلَى مَا دَعَاهُ إِلَيْهِ مِنْ إِخْلَاصِ التَّوْحِيدِ لَهُ فَقَالَ : وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ يَقُولُ : الْوَادِي الَّذِي يَسِيلُ مِنْ صَدِيدِ أَهْلِ جَهَنَّمَ ، لِمَنْ جَحَدَ وَحْدَانِيَّتَهُ ، وَعَبَدَ مَعَهُ غَيْرَهُ ، مِنْ عَذَابِ اللَّهِ الشَّدِيدِ .