الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ ، الَّذِينَ يَخْتَارُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَاعَهَا وَمَعَاصِيَ اللَّهِ فِيهَا ، عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَمَا يُقَرِّبُهُمْ إِلَى رِضَاهُ مِنَ الْأَعْمَالِ النَّافِعَةِ فِي الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، يَقُولُ : وَيَمْنَعُونَ مَنْ أَرَادَ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ وَاتِّبَاعَ رَسُولِهِ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ وَاتِّبَاعِهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا يَقُولُ : وَيَلْتَمِسُونَ سَبِيلَ اللَّهِ وَهِيَ دِينُهُ الَّذِي ابْتَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ ( عِوَجًا ) : تَحْرِيفًا وَتَبْدِيلًا بِالْكَذِبِ وَالزُّورِ . وَالْعِوَجُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْوَاوِ ، فِي الدِّينِ وَالْأَرْضِ وَكُلِّ مَا لَمْ يَكُنْ قَائِمًا ، فَأَمَّا فِي كُلِّ مَا كَانَ قَائِمًا ، كَالْحَائِطِ وَالرُّمْحِ وَالسِّنِّ ، فَإِنَّهُ يُقَالُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْوَاوِ جَمِيعًا عَوَجٌ . يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ : أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ يَعْنِي هَؤُلَاءِ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ .
يَقُولُ : هُمْ فِي ذَهَابٍ عَنِ الْحَقِّ بِعِيدٍ ، وَأَخْذٍ عَلَى غَيْرِ هُدًى ، وَجَوْرٍ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ دُخُولِ عَلَى فِي قَوْلِهِ : ( عَلَى الْآخِرَةِ ) ، فَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ : أَوْصَلَ الْفِعْلَ بِ عَلَى كَمَا قِيلَ : ضَرَبُوهُ فِي السَّيْفِ يُرِيدُ بِالسَّيْفِ ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ يُوصَلُ بِهَا كُلِّهَا وَتُحْذَفُ ، نَحْوَ قَوْلِ الْعَرَبِ : نَزَلْتُ زَيْدًا وَ مَرَرْتُ زَيْدًا يُرِيدُونَ : مَرَرْتُ بِهِ ، وَنَزَلْتُ عَلَيْهِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّمَا أُدْخِلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ يُؤَدِّي عَنْ مَعْنَاهُ مِنَ الْأَفْعَالِ ، فَفِي قَوْلِهِ : يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا مَعْنَاهُ يُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ ، وَلِذَلِكَ أُدْخِلَتْ عَلَى .
وَقَدْ بَيَّنْتُ هَذَا وَنَظَائِرَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْكِتَابِ ، بِمَا أَغْنَى عَنِ الْإِعَادَةِ .