الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاذْكُرْ ، يَا مُحَمَّدُ ، إِذْ قَالَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ لِقَوْمِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ : اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ، الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ، يَقُولُ : حِينَ أَنْجَاكُمْ مِنْ أَهْلِ دِينِ فِرْعَوْنَ وَطَاعَتِهِ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ، أَيْ يُذِيقُونَكُمْ شَدِيدَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ ، مَعَ إذاقَتِهِمَ إِيَّاكُمْ شَدِيدَ الْعَذَابِ [ يُذَبِّحُونَ ] أَبْنَاءَكُمْ . وَأُدْخِلَتِ الْوَاوُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِقَوْلِهِ : وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ ، الْخَبَرُ عَنْ أَنْ آلَ فِرْعَوْنَ كَانُوا يُعَذِّبُونَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْعَذَابِ غَيْرِ التَّذْبِيحِ وَبِالتَّذْبِيحِ . وَأَمَّا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ الْقُرْآنِ ، فَإِنَّهُ جَاءَ بِغَيْرِ الْوَاوِ : يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 49 ] فِي مَوْضِعٍ ، وَفِي مَوْضِعٍ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 141 ] ، وَلَمْ تَدْخُلِ الْوَاوُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَمْ تَدْخُلْ فِيهَا لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِقَوْلِهِ : ( يُذَبِّحُونَ ) ، وَبِقَوْلِهِ : ( يُقَتِّلُونَ ) ، تَبْيِينُهُ صِفَاتِ الْعَذَابِ الَّذِي كَانُوا يَسُومُونَهُمْ .
وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ فِي كُلِّ جُمْلَةٍ أُرِيدَ تَفْصِيلُهَا ، فَبِغَيْرِ الْوَاوِ تَفْصِيلُهَا ، وَإِذَا أُرِيدَ الْعَطْفُ عَلَيْهَا بِغَيْرِهَا وَغَيْرِ تَفْصِيلِهَا فَبِالْوَاوِ . 20582 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، فِي قَوْلِهِ : وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ، أَيَادِيَ اللَّهِ عِنْدَكُمْ وَأَيَّامَهُ . وَقَوْلُهُ : وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ، يَقُولُ : وَيُبْقُونَ نِسَاءَكُمْ فَيَتْرُكُونَ قَتْلَهُنَّ ، وَذَلِكَ اسْتِحْيَاؤُهُمْ كَانَ إِيَّاهُنَّ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَمَعْنَاهُ : يَتْرُكُونَهُمْ وَالْحَيَاةَ ، وَمِنْهُ الْخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ بِمَعْنَى : اسْتَبْقُوهُمْ فَلَا تَقْتُلُوهُمْ .
وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ، يَقُولُ تَعَالَى : وَفِيمَا يَصْنَعُ بِكُمْ آلُ فِرْعَوْنَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ ، بَلَاءٌ لَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ، أَيِ ابْتِلَاءٌ وَاخْتِبَارٌ لَكُمْ ، مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ . وَقَدْ يَكُونُ الْبَلَاءُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ نَعْمَاءَ ، وَيَكُونُ مِنَ الْبَلَاءِ الَّذِي يُصِيبُ النَّاسَ مِنَ الشَّدَائِدِ .