الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ "
) ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ﴾( 17 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ : مِنْ وَرَائِهِ ، مِنْ أَمَامِ كُلِّ جَبَّارٍ ( جَهَنَّمُ ) ، يَرِدُونَهَا . وَ وَرَاءُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، يَعْنِي أَمَامَ ، كَمَا يُقَالُ : إِنَّ الْمَوْتَ مِنْ وَرَائِكَ أَيْ قُدَّامَكَ ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : أَتُوعِدُنِي وَرَاءَ بَنِي رِيَاحٍ كَذَبْتَ لَتَقْصُرَنَّ يَدَاكَ دُونِي يَعْنِي وَرَاءَ بَنِي رِيَاحٍ قُدَّامَ بَنِي رِيَاحٍ وَأَمَامَهُمْ . وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ : إِنَّمَا يَعْنِي بِقَوْلِهِ : مِنْ وَرَائِهِ ، أَيْ مِنْ أَمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ وَرَاءَ مَا هُوَ فِيهِ ، كَمَا يَقُولُ لَكَ : وَكُلُّ هَذَا مِنْ وَرَائِكَ أَيْ سَيَأْتِي عَلَيْكَ ، وَهُوَ مِنْ وَرَاءِ مَا أَنْتَ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَا أَنْتَ فِيهِ قَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ وَهُوَ مِنْ وَرَائِهِ .
وَقَالَ : وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا [ سُورَةُ الْكَهْفِ : 79 ] ، مِنْ هَذَا الْمَعْنَى ، أَيْ كَانَ وَرَاءَ مَا هُمْ فِيهِ أَمَامَهُمْ . وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْكُوفَةِ يَقُولُ : أَكْثَرُ مَا يَجُوزُ هَذَا فِي الْأَوْقَاتِ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ يَمُرُّ عَلَيْكَ ، فَيَصِيرُ خَلْفَكَ إِذَا جُزْتَهُ ، وَكَذَلِكَ وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ ؛ لِأَنَّهُمْ يُجُوزُونَهُ فَيَصِيرُ وَرَاءَهُمْ . وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ : هُوَ مِنْ حُرُوفِ الْأَضَّدَادِ ، يَعْنِي وَرَاءَ يَكُونُ قُدَّامًا وَخَلْفًا .
وَقَوْلُهُ : وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ، يَقُولُ : وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الْمَاءَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَمَا هُوَ ، فَقَالَ : هُوَ صَدِيدٍ وَلِذَلِكَ رَدَّ الصَّدِيدَ فِي إِعْرَابِهِ عَلَى الْمَاءِ لِأَنَّهُ بَيَانٌ عَنْهُ . وَ الصَّدِيدُ هُوَ الْقَيْحُ وَالدَّمُ . وَكَذَلِكَ تَأَوَّلَهُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20626 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ ح وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شَبَابَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ، قَالَ قَيْحٌ وَدَمٌ . 20627 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ . 20628 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ، وَ الصَّدِيدُ مَا يَسِيلُ مِنْ لَحْمِهِ وَجِلْدِهِ .
20629 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ، قَالَ : مَا يَسِيلُ مِنْ بَيْنِ لَحْمِهِ وَجِلْدِهِ . 20630 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ ، عَنِ الضَّحَّاكِ : وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ، قَالَ : يَعْنِي بِالصَّدِيدِ : مَا يَخْرُجُ مِنْ جَوْفِ الْكَافِرِ ، قَدْ خَالَطَ الْقَيْحَ وَالدَّمَ . وَقَوْلُهُ : ( يَتَجَرَّعُهُ ) ، يَتَحَسَّاهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ ، يَقُولُ : وَلَا يَكَادُ يَزْدَرِدُهُ - مِنْ شِدَّةِ كَرَاهَتِهِ - وَهُوَ مُسِيغُهُ مِنْ شِدَّةِ الْعَطَشِ .
وَالْعَرَبُ تَجْعَلُ لَا يَكَادُ فِيمَا قَدْ فُعِلَ ، وَفِيمَا لَمْ يُفْعَلْ . فَأَمَّا مَا قَدْ فُعِلَ ، فَمِنْهُ هَذَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَعَلَ لَهُمْ ذَلِكَ شَرَابًا . وَأَمَّا مَا لَمْ يُفْعَلْ وَقَدْ دَخَلَتْ فِيهِ كَادَ فَقَوْلُهُ : حَتَّى إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا [ سُورَةُ النُّورِ : 40 ] ، فَهُوَ لَا يَرَاهَا .
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ ، وَهُوَ يُسِيغُهُ ، جَاءَ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ : 20631 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ أَبُو إِسْحَاقَ الطَّالَقَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ : وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ ، فَإِذَا شَرِبَهُ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ دُبُرِهِ ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [ سُورَةُ مُحَمَّدٍ : 15 ] ، وَيَقُولُ : وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ [ سُورَةُ الْكَهْفِ : 29 ] . 20632 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ : حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ : وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : ( سُقُوا مَاءً حَمِيمًا ) .
20633 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحِمْصِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِثْلَهُ سَوَاءً . وَقَوْلُهُ : وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ، فَإِنَّهُ يَقُولُ : وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ ، وَمِنْ كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْ أَعْضَاءِ جَسَدِهِ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا تَخْرُجُ نَفْسُهُ فَيَمُوتَ فَيَسْتَرِيحَ ، وَلَا يَحْيَا لِتَعَلُّقِ نَفْسِهِ بِالْحَنَاجِرِ ، فَلَا تَرْجِعُ إِلَى مَكَانِهَا ، كَمَا : - 20634 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ، قَالَ : تُعَلَّقُ نَفْسُهُ عِنْدَ حَنْجَرَتِهِ ، فَلَا تَخْرُجُ مِنْ فِيهِ فَيَمُوتَ ، وَلَا تَرْجِعُ إِلَى مَكَانِهَا مِنْ جَوْفِهِ ، فَيَجِدَ لِذَلِكَ رَاحَةً ، فَتَنْفَعَهُ الْحَيَاةُ . 20635 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَوْلُهُ : وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ، قَالَ : مِنْ تَحْتِ كُلِّ شَعْرَةٍ فِي جَسَدِهِ .
وَقَوْلُهُ : وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ، يَقُولُ : وَمِنْ وَرَاءِ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ يَعْنِي أَمَامَهُ وَقُدَّامَهُ عَذَابٌ غَلِيظٌ .