الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي رَافِعِ مَثَلُ . فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ : إِنَّمَا هُوَ كَأَنَّهُ قَالَ : وَمِمَّا نَقُصُّ عَلَيْكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ، ثُمَّ أَقْبَلَ يُفَسِّرُ ، كَمَا قَالَ : ( مَثَلُ الْجَنَّةِ ) [ سُورَةُ الرَّعْدِ : 35 ] ، وَهَذَا كَثِيرٌ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ : إِنَّمَا الْمَثَلُ لِلْأَعْمَالِ ، وَلَكِنَّ الْعَرَبَ تُقَدِّمُ الْأَسْمَاءَ؛ لِأَنَّهَا أَعْرَفُ ، ثُمَّ تَأْتِي بِالْخَبَرِ الَّذِي تُخْبِرُ عَنْهُ مَعَ صَاحِبِهِ .
وَمَعْنَى الْكَلَامِ : مَثَلُ أَعْمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ كَرَمَادٍ ، كَمَا قِيلَ : وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ [ سُورَةُ الزُّمَرِ : 60 ] ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ : وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى وُجُوهَ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ مُسْوَّدَةً . قَالَ : وَلَوْ خُفِضَ الْأَعْمَالُ جَازَ ، كَمَا قَالَ : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ الْآيَةَ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 217 ] وَقَوْلُهُ : مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [ سُورَةُ الرَّعْدِ : 35 ] . قَالَ : فَ تَجْرِي هُوَ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : أَنْ تَجْرِيَ ، وَأَنْ يَكُونَ كَذَا وَكَذَا ، فَلَوْ أُدْخِلَ أَنْ جَازَ .
قَالَ : وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : ذَرِينِي إِنَّ أَمْرَكِ لَنْ يُطَاعَا وَمَا أَلْفَيْتِنِي حِلْمِي مُضَاعَا قَالَ : فَالْحِلْمُ مَنْصُوبٌ بِ أَلْفَيْتِ عَلَى التَّكْرِيرِ ، قَالَ : وَلَوْ رَفَعَهُ كَانَ صَوَابًا . قَالَ : وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِأَعْمَالِ الْكُفَّارِ فَقَالَ : مَثَلُ أَعْمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَهَا فِي الدُّنْيَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ اللَّهَ بِهَا ، مَثَلُ رَمَادٍ عَصَفَتِ الرِّيحُ عَلَيْهِ فِي يَوْمِ رِيحٍ عَاصِفٍ ، فَنَسَفَتْهُ وَذَهَبَتْ بِهِ ، فَكَذَلِكَ أَعْمَالُ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، لَا يَجِدُونَ مِنْهَا شَيْئًا يَنْفَعُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ فَيُنْجِيهِمْ مِنْ عَذَابِهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَهَا لِلَّهِ خَالِصًا ، بَلْ كَانُوا يُشْرِكُونَ فِيهَا الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ . يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ، يَعْنِي أَعْمَالَهُمُ الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَهَا فِي الدُّنْيَا ، الَّتِي يُشْرِكُونَ فِيهَا مَعَ اللَّهِ شُرَكَاءَ ، هِيَ أَعْمَالٌ عُمِلَتْ عَلَى غَيْرِ هُدًى وَاسْتِقَامَةٍ ، بَلْ عَلَى جَوْرٍ عَنِ الْهُدَى بَعِيدٍ ، وَأَخْذٍ عَلَى غَيْرِ اسْتِقَامَةٍ شَدِيدٍ .
وَقِيلَ : فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ، فَوَصَفَ بِالْعُصُوفِ الْيَوْمَ ، وَهُوَ مِنْ صِفَةِ الرِّيحِ؛ لِأَنَّ الرِّيحَ تَكُونُ فِيهِ ، كَمَا يُقَالُ : يَوْمٌ بَارِدٌ ، وَيَوْمٌ حَارٌّ لِأَنَّ الْبَرْدَ وَالْحَرَارَةَ يَكُونَانِ فِيهِ ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : يَوْمَيْنِ غَيْمَيْنِ وَيَوْمًا شَمْسًا فَوَصَفَ الْيَوْمَيْنِ بالْغَيْمَيْنِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْغَيْمُ فِيهِمَا . وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِ : فِي يَوْمٍ عَاصِفِ الرِّيحِ ، فَحُذِفَتِ الرِّيحُ لِأَنَّهَا قَدْ ذُكِرَتْ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ نَظِيرَ قَوْلِ الشَّاعِرِ : إِذَا جَاءَ يَوْمٌ مُظْلِمُ الشَّمْسِ كَاسِفُ يُرِيدُ : كَاسِفَ الشَّمْسِ . وَقِيلَ : هُوَ مِنْ نَعْتِ الرِّيحِ خَاصَّةً ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ بَعْدَ الْيَوْمِ أُتْبِعَ إِعْرَابَهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تُتْبِعُ الْخَفْضَ الْخَفْضَ فِي النُّعُوتِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : تُرِيكَ سُنَّةَ وَجْهٍ غَيْرِ مُقْرِفَةٍ مَلْسَاءَ لَيْسَ بِهَا خَالٌ وَلَا نَدَبُ فَخَفَضَ غَيْرِ إِتْبَاعًا لِإِعْرَابِ الْوَجْهِ وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ نَعْتِ السُّنَّةِ وَالْمَعْنَى : سُنَّةَ وَجْهٍ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ ، وَكَمَا قَالُوا : هَذَا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20636 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، فِي قَوْلِهِ : كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ ، قَالَ : حَمَلَتْهُ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ . 20637 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ، يَقُولُ : الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَعَبَدُوا غَيْرَهُ ، فَأَعْمَالُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ، لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِهِمْ يَنْفَعُهُمْ ، كَمَا لَا يُقْدَرُ عَلَى الرَّمَادِ إِذَا أُرْسِلَ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ .
وَقَوْلُهُ : ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ، أَيِ الْخَطَأُ الْبَيِّنُ ، الْبَعِيدُ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ .