الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ "
) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَأَعْطَاكُمْ مَعَ إِنْعَامِهِ عَلَيْكُمْ بِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنْ تَسْخِيرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي سَخَّرَهَا لَكُمْ وَالرِّزْقِ الَّذِي رَزَقَكُمْ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ وَغُرُوسِهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَأَلْتُمُوهُ ، وَرَغِبْتُمْ إِلَيْهِ شَيْئًا ، وَحَذَفَ الشَّيْءَ الثَّانِي اكْتِفَاءً بِمَا الَّتِي أُضِيفَتْ إِلَيْهَا كُلُّ ، وَإِنَّمَا جَازَ حَذْفُهُ ، لِأَنَّ مِنْ تُبَعِّضُ مَا بَعْدَهَا ، فَكَفَتْ بِدَلَالَتِهَا عَلَى التَّبْعِيضِ مِنَ الْمَفْعُولِ ، فَلِذَلِكَ جَازَ حَذْفُهُ ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَعْنِي بِهِ : وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فِي زَمَانِهَا شَيْئًا ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا قِيلَ عَلَى التَّكْثِيرِ ، نَحْوَ قَوْلِ الْقَائِلِ : فُلَانٌ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ ، وَأَتَاهُ كُلُّ النَّاسِ ، وَهُوَ يَعْنِي بَعْضَهُمْ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ . وَقِيلَ أَيْضًا : إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ إِلَّا وَقَدْ سَأَلَهُ بَعْضُ النَّاسِ ، فَقِيلَ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ أَيْ قَدْ آتَى بَعْضَكُمْ مِنْهُ شَيْئًا ، وَآتَى آخَرَ شَيْئًا مِمَّا قَدْ سَأَلَهُ . وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْبَصْرَةِ .
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْكُوفَةِ يَقُولُ : مَعْنَاهُ : وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ لَوْ سَأَلْتُمُوهُ ، كَأَنَّهُ قِيلَ : وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ سُؤْلِكُمْ ، وَقَالَ : أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ لِلرَّجُلِ ، لَمْ يَسْأَلْكَ شَيْئًا : وَاللَّهِ لَأُعْطِيَنَّكَ سُؤْلَكَ مَا بَلَغَتْ مَسْأَلَتُكَ ، وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْ . فَأَمَّا أَهْلُ التَّأْوِيلِ ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : ثَنَا شَبَابَةُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَرَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ .
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ : ثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ وَرْقَاءَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ قَالَ : مِنْ كُلِّ الَّذِي سَأَلْتُمُوهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ الَّذِي سَأَلْتُمُوهُ وَالَّذِي لَمْ تَسْأَلُوهُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : ثَنَا خَلَفٌ ، يَعْنِي ابْنَ هِشَامٍ ، قَالَ : ثَنَا مَحْبُوبٌ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ رُكَانَةَ بْنِ هَاشِمٍ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَقَالَ : مَا سَأَلْتُمُوهُ وَمَا لَمْ تَسْأَلُوهُ . وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلٍّ مَا سَأَلْتُمُوهُ بِتَنْوِينِ كُلٍّ وَتَرْكِ إِضَافَتِهَا إِلَى مَا بِمَعْنَى : وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ لَمْ تَسْأَلُوهُ وَلَمْ تَطْلُبُوهُ مِنْهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعِبَادَ لَمْ يَسْأَلُوهُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَاللَّيْلَ وَالنَّهَارَ . وَخَلَقَ ذَلِكَ لَهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْأَلُوهُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي أَبُو حُصَيْنٍ ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ ، قَالَ : ثَنَا بَزِيعٌ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ قَالَ : مَا لَمْ تَسْأَلُوهُ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ ، قَالَ : ثَنَا عُبَيْدٌ ، عَنِ الضَّحَّاكِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : مِنْ كُلَّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَيُفَسِّرُهُ : أَعْطَاكُمْ أَشْيَاءَ مَا سَأَلْتُمُوهَا وَلَمْ تَلْتَمِسُوهَا ، وَلَكِنْ أَعْطَيْتُكُمْ بِرَحْمَتِي وَسَعَتِي . قَالَ الضَّحَّاكُ : فَكَمْ مِنْ شَيْءٍ أَعْطَانَا اللَّهُ مَا سَأَلْنَاهُ وَلَا طَلَبْنَاهُ .
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ يَقُولُ : أَعْطَاكُمْ أَشْيَاءَ مَا طَلَبْتُمُوهَا وَلَا سَأَلْتُمُوهَا ، صَدَقَ اللَّهُ كَمْ مِنْ شَيْءٍ أَعْطَانَاهُ اللَّهُ مَا سَأَلْنَاهُ إِيَّاهُ وَلَا خَطَرَ لَنَا عَلَى بَالٍ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ قَالَ : لَمْ تَسْأَلُوهُ مِنْ كُلِّ الَّذِي آتَاكُمْ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا ، الْقِرَاءَةُ الَّتِي عَلَيْهَا قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ ، وَذَلِكَ إِضَافَةُ كُلِّ إِلَى مَا بِمَعْنَى : وَآتَاكُمْ مِنْ سُؤْلِكُمْ شَيْئًا .
عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهَا وَرَفْضِهِمُ الْقِرَاءَةَ الْأُخْرَى . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ( 34 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَإِنْ تَعُدُّوا أَيُّهَا النَّاسُ نِعْمَةَ اللَّهِ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْكُمْ لَا تُطِيقُوا إِحْصَاءَ عَدَدِهَا وَالْقِيَامَ بِشُكْرِهَا إِلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ لَكُمْ عَلَيْهَا . إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ يَقُولُ : إِنَّ الْإِنْسَانَ الَّذِي بَدَّلَ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا لَظَلُومٌ : يَقُولُ : لَشَاكِرٌ غَيْرَ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ ، فَهُوَ بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ وَاضِعٌ الشُّكْرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِمَا أَنْعَمَ وَاسْتَحَقَّ عَلَيْهِ إِخْلَاصَ الْعِبَادَةِ لَهُ ، فَعَبَدَ غَيْرَهُ وَجَعَلَ لَهُ أَنْدَادًا لِيَضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ، وَذَلِكَ هُوَ ظُلْمُهُ ، وَقَوْلُهُ : ( كَفَّارٌ ) يَقُولُ : هُوَ جَحُودُ نِعْمَةِ اللَّهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِ لِصَرْفِهِ الْعِبَادَةَ إِلَى غَيْرِ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ ، وَتَرْكِهِ طَاعَةَ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : ثَنَا مِسْعَرٌ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ ، قَالَ : إِنَّ حَقَّ اللَّهِ أَثْقَلُ مِنْ أَنْ تَقُومَ بِهِ الْعِبَادُ ، وَإِنَّ نِعَمَ اللَّهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصِيَهَا الْعِبَادُ ، وَلَكِنْ أَصْبِحُوا تَوَّابِينَ وَأَمْسُوْا تَوَّابِينَ .