الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ "
) اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ مَا نُنَـزِّلُ الْمَلائِكَةَ فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ ( مَا تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ ) بِالتَّاءِ تَنَزَّلُ وَفَتْحِهَا وَرَفْعِ الْمَلَائِكَةِ ، بِمَعْنَى : مَا تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ ، عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ لِلْمَلَائِكَةِ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ مَا نُنَـزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالنُّونِ فِي نُنَزِّلُ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ وَنَصْبِ الْمَلَائِكَةِ ، بِمَعْنَى : مَا نُنَزِّلُهَا نَحْنُ ، وَالْمَلَائِكَةُ حِينَئِذٍ مَنْصُوبٌ بِوُقُوعِ نُنَزِّلُ عَلَيْهَا . وَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ ( مَا تُنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ ) بِرَفْعِ الْمَلَائِكَةِ وَالتَّاءِ فِي تُنَزَّلُ وَضَمِّهَا ، عَلَى وَجْهِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَكُلُّ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ الثَّلَاثِ مُتَقَارِبَاتُ الْمَعَانِي ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ إِذَا نَزَّلَهَا اللَّهُ عَلَى رَسُولٍ مِنْ رُسُلِهِ تَنَزَّلَتْ إِلَيْهِ ، وَإِذَا تَنَزَلَتْ إِلَيْهِ ، فَإِنَّمَا تَنْزِلُ بِإِنْزَالِ اللَّهِ إِيَّاهَا إِلَيْهِ ، فَبِأَيِّ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ الثَّلَاثِ قَرَأَ ذَلِكَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ الصَّوَابَ فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ كُنْتُ أُحِبُّ لِقَارِئِهِ أَنْ لَا يَعْدُوَ فِي قِرَاءَتِهِ إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْتُ مِنْ قِرَاءَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَالْأُخْرَى الَّتِي عَلَيْهَا جُمْهُورُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ فِي الْعَامَّةِ ، وَالْأُخْرَى : أَعْنِي قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ : ( مَا تُنَزَّلُ ) بِضَمِّ التَّاءِ فِي تَنَزَّلُ وَرَفْعِ الْمَلَائِكَةِ شَاذَّةٌ قَلِيلٌ مَنْ قَرَأَ بِهَا . فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : مَا نُنَزِّلُ مَلَائِكَتَنَا إِلَّا بِالْحَقِّ ، يَعْنِي بِالرِّسَالَةِ إِلَى رُسُلِنَا ، أَوْ بِالْعَذَابِ لِمَنْ أَرَدْنَا تَعْذِيبَهُ . وَلَوْ أَرْسَلْنَا إِلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى مَا يَسْأَلُونَ إِرْسَالَهُمْ مَعَكَ آيَةً فَكَفَرُوا لَمْ يُنْظَرُوا فَيُؤَخَّرُوا بِالْعَذَابِ ، بَلْ عُوجِلُوا بِهِ كَمَا فَعَلْنَا ذَلِكَ بِمَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ حِينَ سَأَلُوا الْآيَاتِ فَكَفَرُوا حِينَ آتَتْهُمُ الْآيَاتُ ، فَعَاجَلْنَاهُمْ بِالْعُقُوبَةِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْلِهِ مَا نُنَـزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلا بِالْحَقِّ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : ثَنَا شَبَابَةُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ : ثَنَا شِبْلٌ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ مَا نُنَـزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلا بِالْحَقِّ قَالَ : بِالرِّسَالَةِ وَالْعَذَابِ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ .