الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ . . . "
) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : أَرْسَلْنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ قِيلَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ، وَمَا الْجَالِبُ لِهَذِهِ الْبَاءِ فِي قَوْلِهِ ( بِالْبَيِّنَاتِ ) فَإِنْ قَلْتَ : جَالِبُهَا قَوْلُهُ ( أَرْسَلْنَا ) وَهِيَ مِنْ صِلَتِهِ ، فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ صِلَةُ مَا قَبْلَ إِلَّا بَعْدَهَا؟ وَإِنْ قُلْتَ : جَالِبُهَا غَيْرُ ذَلِكَ ، فَمَا هُوَ؟ وَأَيْنَ الْفِعْلُ الَّذِي جَلَبَهَا ، قِيلَ : قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْبَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ ( بِالْبَيِّنَاتِ ) مِنْ صِلَةِ أَرْسَلْنَا ، وَقَالَ : إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَمَعَ الْجَحْدِ وَالِاسْتِفْهَامِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِمَعْنَى غَيْرِ ، وَقَالَ : مَعْنَى الْكَلَامِ : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ غَيْرَ رِجَالٍ نُوحِي إِلَيْهِمْ ، وَيَقُولُ عَلَى ذَلِكَ : مَا ضَرَبَ إِلَّا أَخُوكَ زَيْدًا ، وَهَلْ كَلَّمَ إِلَّا أَخُوكَ عَمْرًا ، بِمَعْنَى : مَا ضَرَبَ زَيْدًا غَيْرُ أَخِيكَ ، وَهَلْ كَلَّمَ عَمْرًا إِلَّا أَخُوكَ؟ وَيُحْتَجُّ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ أَوْسِ بْنِ حَجَرٍ : أَبَنِي لُبَيْنَى لَسْتُمُ بِيَدٍ إِلَّا يَدٍ لَيْسَتْ لَهَا عَضُدُ وَيَقُولُ : لَوْ كَانَتْ إِلَّا بِغَيْرِ مَعْنًى لَفَسَدَ الْكَلَامُ ، لَأَنَّ الَّذِي خَفَضَ الْبَاءَ قَبْلَ إِلَّا لَا يَقْدِرُ عَلَى إِعَادَتِهِ بَعْدَ إِلَّا لِخَفْضِ الْيَدِ الثَّانِيَةِ ، وَلَكِنَّ مَعْنَى إِلَّا مَعْنَى غَيْرِ ، وَيُسْتَشْهَدُ أَيْضًا بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ وَيَقُولُ : إِلَّا بِمَعْنَى غَيْرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَكَانَ غَيْرُهُ يَقُولُ : إِنَّمَا هَذَا عَلَى كَلَامَيْنِ ، يُرِيدُ : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا أَرْسَلْنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْقَائِلِ : مَا ضَرَبَ إِلَّا أَخُوكَ زَيْدًا مَعْنَاهُ : مَا ضَرَبَ إِلَّا أَخُوكَ ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ ضَرَبَ زَيْدًا ، وَكَذَلِكَ مَا مَرَّ إِلَّا أَخُوكَ بِزَيْدٍ مَا مَرَّ إِلَّا أَخُوكَ ، ثُمَّ يَقُولُ : مَرَّ بِزَيْدٍ ، وَيَسْتَشْهِدُ عَلَى ذَلِكَ بِبَيْتِ الْأَعْشَى : وَلَيْسَ مُجِيرًا إِنْ أَتَى الْحَيَّ خَائِفٌ وَلَا قَائِلًا إِلَّا هُوَ الْمُتَعَيَّبَا وَيَقُولُ : لَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى كَلِمَةٍ لَكَانَ خَطَأً ، لَأَنَّ الْمُتَعَيَّبَا مِنْ صِلَةِ الْقَائِلِ ، وَلَكِنْ جَازَ ذَلِكَ عَلَى كَلَامَيْنِ وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْآخَرِ : نُبِّئْتُهُمْ عَذَّبُوا بِالنَّارِ جَارَهُمُ وَهَلْ يُعَذِّبُ إِلَّا اللَّهُ بِالنَّارِ فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ أَرْسَلْنَاهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ، وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ . وَالْبَيِّنَاتُ : هِيَ الْأَدِلَّةُ وَالْحُجَجُ الَّتِي أَعْطَاهَا اللَّهُ رُسُلَهُ أَدِلَّةً عَلَى نُبُوَّتِهِمْ شَاهِدَةً لَهُمْ عَلَى حَقِيقَةِ مَا أَتَوْا بِهِ إِلَيْهِمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ .
وَالزُّبُرُ : هِيَ الْكُتُبُ ، وَهِيَ جَمْعُ زَبُورٍ ، مِنْ زَبَرْتُ الْكِتَابَ وَذَبَرْتُهُ : إِذَا كَتَبْتُهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ قَالَ : الزُّبُرُ : الْكُتُبُ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ قَالَ : الْآيَاتُ . وَالزُّبُرُ : الْكُتُبُ . حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ : ثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : الزُّبُرُ : الْكُتُبُ .
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : ثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ ( بِالزُّبُرِ ) يَعْنِي : بِالْكُتُبِ . وَقَوْلُهُ : وَأَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ يَقُولُ : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ هَذَا الْقُرْآنَ تَذْكِيرًا لِلنَّاسِ وَعِظَةً لَهُمْ ، لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ يَقُولُ : لِتُعَرِّفَهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ يَقُولُ : وَلِيَتَذَكَّرُوا فِيهِ وَيَعْتَبِرُوا بِهِ أَيْ بِمَا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ، وَقَدْ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : ثَنَا إِسْحَاقُ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : ثَنَا الثَّوْرِيُّ ، قَالَ : قَالَ مُجَاهِدٌ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ قَالَ : يُطِيعُونَ .