الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى . . . "
) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ فِي هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ بِالْعَدْلِ ، وَهُوَ الْإِنْصَافُ ، وَمِنَ الْإِنْصَافِ : الْإِقْرَارُ بِمَنْ أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِنِعْمَتِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى إِفْضَالِهِ ، وَتَوَلِّي الْحَمْدِ أَهْلَهُ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْعَدْلُ ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ عِنْدَنَا يَدٌ تَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ عَلَيْهَا ، كَانَ جَهْلًا بِنَا حَمْدُهَا وَعِبَادَتُهَا ، وَهِيَ لَا تُنْعِمُ فَتُشْكَرُ ، وَلَا تَنْفَعُ فَتُعْبَدُ ، فَلَزِمَنَا أَنْ نَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَلِذَلِكَ قَالَ مَنْ قَالَ : الْعَدْلُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . ذِكْرُ مِنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، وَعَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَا ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ قَالَ : شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَقَوْلُهُ ( وَالْإِحْسَانِ ) ، فَإِنَّ الْإِحْسَانَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَعَ الْعَدْلِ الَّذِي وَصَفْنَا صِفَتَهُ : الصَّبْرُ لِلَّهِ عَلَى طَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَ وَنَهَى ، فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ ، وَالْمَكْرَهِ وَالْمَنْشَطِ ، وَذَلِكَ هُوَ أَدَاءُ فَرَائِضِهِ .
كَمَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، وَعَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَا ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( وَالْإِحْسَانِ ) يَقُولُ : أَدَاءُ الْفَرَائِضِ . وَقَوْلُهُ : وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى يَقُولُ : وَإِعْطَاءِ ذِي الْقُرْبَى الْحَقَّ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ بِسَبَبِ الْقَرَابَةِ وَالرَّحِمِ . كَمَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى وَعَلِيٌّ ، قَالَا ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى يَقُولُ : الْأَرْحَامُ .
وَقَوْلُهُ : وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ قَالَ : الْفَحْشَاءُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الزِّنَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، وَعَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَا ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ يَقُولُ : الزِّنَا . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْفَحْشَاءِ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَالْبَغْيِ ) قِيلَ : عَنَى بِالْبَغْيِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الْكِبْرَ وَالظُّلْمَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، وَعَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَا ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( وَالْبَغْيِ ) يَقُولُ : الْكِبْرُ وَالظُّلْمُ . وَأَصْلُ الْبَغْيِ : التَّعَدِّي وَمُجَاوَزَةُ الْقَدْرِ وَالْحَدِّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ . وَقَوْلُهُ : يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ يَقُولُ : يُذَكِّرُكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ رَبُّكُمْ لِتَذْكُرُوا فَتُنِيبُوا إِلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ، وَتَعْرِفُوا الْحَقَّ لِأَهْلِهِ . كَمَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى وَعَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَا ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( يَعِظُكُمْ ) يَقُولُ : يُوصِيكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ .
وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ : إِنَّ مَعْنَى الْعَدْلِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ اسْتِوَاءُ السَّرِيرَةِ وَالْعَلَانِيَةِ مِنْ كُلِّ عَامِلٍ لِلَّهِ عَمَلًا وَإِنَّ مَعْنَى ( الْإِحْسَانِ ) : أَنْ تَكُونَ سَرِيرَتُهُ أَحْسَنَ مِنْ عَلَانِيَتِهِ ، وَإِنَّ الْفَحْشَاءَ وَالْمُنْكَرَ أَنْ تَكُونَ عَلَانِيَتُهُ أَحْسَنَ مِنْ سَرِيرَتِهِ . وَذُكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، مَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : ثَنَا الْحَجَّاجُ ، قَالَ : ثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ مَنْصُورَ بْنَ النُّعْمَانِ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ : إِنَّ أَجْمَعَ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ النَّحْلِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى . إِلَى آخَرِ الْآيَةِ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ سُتَيْرِ بْنِ شَكَلٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ : إِنَّ أَجْمَعَ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ لِخَيْرٍ أَوْ لِشَرٍّ ، آيَةٌ فِي سُورَةِ النَّحْلِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ . الْآيَةَ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى .
الْآيَةُ ، إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْمَلُونَ بِهِ وَيَسْتَحْسِنُونَهُ إِلَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ، وَلَيْسَ مِنْ خُلُقٍ سَيِّئٍ كَانُوا يَتَعَايَرُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَقَدَّمَ فِيهِ . وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ سَفَاسِفِ الْأَخْلَاقِ وَمَذَامِّهَا .