حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا . . . "

) يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ حَكَمَ رَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ بِأَمْرِهِ إِيَّاكُمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْبَدَ غَيْرُهُ ، وَقَدِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَقَضَى رَبُّكَ وَإِنْ كَانَ مَعْنًى جَمِيعِهِمْ فِي ذَلِكَ وَاحِدًا . ذِكْرُ مَا قَالُوا فِي ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ يَقُولُ : أَمَرَ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا الْحَكَمُ بْنُ بَشِيرٍ ، قَالَ : ثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ سَلَامٍ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْحَسَنِ ، فَقَالَ : إِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ، فَقَالَ : إِنَّكَ عَصَيْتَ رَبَّكَ ، وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : قَضَى اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيَّ ، قَالَ الْحَسَنُ ، وَكَانَ فَصِيحًا : مَا قَضَى اللَّهُ : أَيْ مَا أَمَرَ اللَّهُ ، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ فَقَالَ النَّاسُ : تَكَلَّمَ الْحَسَنُ فِي الْقَدْرِ .

حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ : أَيْ أَمَرَ رَبُّكَ فِي أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ، فَهَذَا قَضَاءُ اللَّهِ الْعَاجِلُ ، وَكَانَ يُقَالُ فِي بَعْضِ الْحِكْمَةِ : مَنْ أَرْضَى وَالِدَيْهِ : أَرْضَى خَالِقَهُ ، وَمَنْ أَسْخَطَ وَالِدَيْهِ ، فَقَدْ أَسْخَطَ رَبَّهُ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ قَالَ : أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ، وَفِي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ : ( وَصَّى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ عِيسَى ، قَالَ : ثَنَا نُصَيْرُ بْنُ أَبِي الْأَشْعَثِ ، قَالَ : ثَنِي ابْنُ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : أَعْطَانِي ابْنُ عَبَّاسٍ مُصْحَفًا ، فَقَالَ : هَذَا عَلَى قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ : قَالَ يَحْيَى : رَأَيْتُ الْمُصْحَفَ عِنْدَ نُصَيْرٍ فِيهِ : ( وَوَصَّى رَبُّكَ ) يَعْنِي : وَقَضَى رَبُّكَ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ قَالَ : وَأَوْصَى رَبُّكَ .

حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ قَالَ : أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ . حَدَّثَنِي الْحَرْثُ ، قَالَ : ثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْكُوفِيِّ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ ، أَنَّهُ قَرَأَهَا ( وَوَصَّى رَبُّكَ ) وَقَالَ : إِنَّهُمْ أَلْصَقُوا الْوَاوَ بِالصَّادِّ فَصَارَتْ قَافًا . وَقَوْلُهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا يَقُولُ : وَأَمَرَكُمْ بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِمَا وَتَبِرُّوهُمَا .

وَمَعْنَى الْكَلَامِ : وَأَمَرَكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَى الْوَالِدَيْنِ ، فَلَمَّا حُذِفَتْ أَنْ تَعَلُّقَ الْقَضَاءُ بِالْإِحْسَانِ ، كَمَا يُقَالُ فِي الْكَلَامِ : آمُرُكَ بِهِ خَيِّرًا ، وَأُوصِيكَ بِهِ خَيْرًا ، بِمَعْنَى : آمُرُكَ أَنْ تَفْعَلَ بِهِ خَيْرًا ، ثُمَّ تُحْذَفُ أَنْ فَيَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ وَالْوَصِيَّةُ بِالْخَبَرِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : عَجِبْتُ مِنْ دَهْمَاءَ إِذْ تَشْكُونَا وَمِنْ أَبِي دَهْمَاءَ إِذْ يُوصِينَا خَيْرًا بِهَا كَأَنَّنَا جَافُونَا وَعَمَلٌ يُوصِينَا فِي الْخَيْرِ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهَّلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ ، وَبَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عَلَى التَّوْحِيدِ عَلَى تَوْجِيهٍ ذَلِكَ إِلَى أَحَدِهِمَا لِأَنَّ أَحَدَهُمَا وَاحِدٌ ، فَوَحَّدُوا ( يَبْلُغَنَّ ) لِتَوْحِيدِهِ ، وَجَعَلُوا قَوْلَهُ ( أَوْ كِلَاهُمَا ) مَعْطُوفًا عَلَى الْأَحَدِ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ ( إِمَّا يَبْلُغَانِ ) عَلَى التَّثْنِيَةِ وَكَسْرِ النُّونِ وَتَشْدِيدِهَا ، وَقَالُوا : قَدْ ذَكَرَ الْوَالِدَانِ قَبْلُ ، وَقَوْلُهُ ( يَبْلُغَانِّ ) خَبَرٌ عَنْهُمَا بَعْدَ مَا قَدَّمَ أَسْمَاءَهُمَا ، قَالُوا : وَالْفِعْلُ إِذَا جَاءَ بَعْدَ الِاسْمِ كَانَ الْكَلَامُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ عَنِ اثْنَيْنِ أَوْ جَمَاعَةٍ .

قَالُوا : وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ عَنِ اثْنَيْنِ فِي الْفِعْلِ الْمُسْتَقْبَلِ الْأَلِفُ وَالنُّونُ . قَالُوا : وَقَوْلُهُ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا كَلَامٌ مُسْتَأْنِفٌ ، كَمَا قِيلَ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَكَقَوْلِهِ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ الَّذِينَ ظَلَمُوا . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عَلَى التَّوْحِيدِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ أَحَدِهِمَا ، لِأَنَّ الْخَبَرَ عَنِ الْأَمْرِ بِالْإِحْسَانِ فِي الْوَالِدَيْنِ ، قَدْ تَنَاهَى عِنْدَ قَوْلِهِ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ثُمَّ ابْتَدَأَ قَوْلَهُ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا .

وَقَوْلُهُ فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ يَقُولُ : فَلَا تُؤَفِّفُ مِنْ شَيْءٍ تَرَاهُ مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْ مِنْهُمَا مِمَّا يَتَأَذَّى بِهِ النَّاسُ ، وَلَكِنِ اصْبِرْ عَلَى ذَلِكَ مِنْهُمَا ، وَاحْتَسِبْ فِي الْأَجْرِ صَبْرَكَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا ، كَمَا صَبَرَا عَلَيْكَ فِي صِغَرِكَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَبَّبٍ ، قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا قَالَ : إِنْ بَلَغَا عِنْدَكَ مِنَ الْكِبَرِ مَا يَبُولَانِ وَيَخْرَآنِ ، فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ تُقَذِّرُهُمَا .

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ إِمَّا يَبْلُغَانَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ حِينَ تَرَى الْأَذَى ، وَتُمِيطُ عَنْهُمَا الْخَلَاءَ وَالْبَوْلَ ، كَمَا كَانَا يُمِيطَانِهِ عَنْكَ صَغِيرًا ، وَلَا تُؤْذِهِمَا . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ فِي مَعْنَى أُفٍّ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : كُلُّ مَا غَلُظَ مِنَ الْكَلَامِ وَقَبُحَ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْأُفُّ : وَسَخُ الْأَظْفَارِ ، وَالْتَفُّ : كُلُّ مَا رَفَعَتْ يَدُكَ مِنَ الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ حَقِيرٍ ، وَلِلْعَرَبِ فِي أُفٍّ لُغَاتٌ سِتٌّ رَفْعُهَا بِالتَّنْوِينِ وَغَيْرِ التَّنْوِينِ وَخَفْضُهَا كَذَلِكَ وَنَصْبُهَا ، فَمَنْ خَفَضَ ذَلِكَ بِالتَّنْوِينِ ، وَهِيَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، شَبَّهَهَا بِالْأَصْوَاتِ الَّتِي لَا مَعْنَى لَهَا ، كَقَوْلِهِمْ فِي حِكَايَةِ الصَّوْتِ غَاقٍ غَاقٍ ، فَخَفَضُوا الْقَافَ وَنَوَّنُوهَا ، وَكَانَ حُكْمُهَا السُّكُونَ ، فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ يُعْرِبُهَا مِنْ أَجْلِ مَجِيئِهَا بَعْدَ حَرْفٍ سَاكِنٍ وَهُوَ الْأَلْفُ ، فَكَرِهُوا أَنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ سَاكِنِينَ ، فَحَرَّكُوا إِلَى أَقْرَبِ الْحَرَكَاتِ مِنَ السُّكُونِ ، وَذَلِكَ الْكَسْرُ ، لِأَنَّ الْمَجْزُومَ إِذَا حُرِّكَ ، فَإِنَّمَا يُحَرَّكُ إِلَى الْكَسْرِ ، وَأَمَّا الَّذِينَ خَفَضُوا بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ، وَهِيَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّمَا يُدْخِلُونَ التَّنْوِينَ فِيمَا جَاءَ مِنَ الْأَصْوَاتِ نَاقِصًا ، كَالَّذِي يَأْتِي عَلَى حَرْفَيْنِ مِثْلُ : مَهٍ وَصَهٍ وَبَخٍ ، فَيُتَمِّمُ بِالتَّنْوِينِ لِنُقْصَانِهِ عَنْ أَبْنِيهِ الْأَسْمَاءِ .

قَالُوا : وَأُفٍّ تَامٌّ لَا حَاجَةَ بِهَا إِلَى تَتَمَتِّهِ بِغَيْرِهِ ، لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ . قَالُوا : وَإِنَّمَا كَسَرْنَا الْفَاءَ الثَّانِيَةَ لِئَلَّا نَجْمَعَ بَيْنَ سَاكِنِينَ . وَأَمَّا مَنْ ضَمَّ وَنَوَّنَ ، فَإِنَّهُ قَالَ : هُوَ اسْمٌ كَسَائِرِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي تُعَرَّفُ وَلَيْسَ بِصَوْتٍ ، وَعَدَلَ بِهِ عَنِ الْأَصْوَاتِ ، وَأَمَّا مَنْ ضَمَّ ذَلِكَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ، فَإِنَّهُ قَالَ : لَيْسَ هُوَ بِاسَمٍ مُتَمَكِّنٍ فَيُعْرَبُ بِإِعْرَابِ الْأَسْمَاءِ الْمُتَمَكِّنَةِ ، وَقَالُوا : نَضُمُّهُ كَمَا نَضُمُّ قَوْلَهُ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ، وَكَمَا نَضُمُّ الِاسْمَ فِي النِّدَاءِ الْمُفْرَدِ ، فَنَقُولُ : يَا زَيْدُ .

وَمَنْ نَصَبَهُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ، وَهُوَ قِرَاءَةُ بَعْضِ الْمَكِّيِّينَ وَأَهْلِ الشَّامِ فَإِنَّهُ شَبَّهَهُ بِقَوْلِهِمْ : مُدَّ يَا هَذَا وَرُدَّ . وَمَنْ نَصَبَ بِالتَّنْوِينِ ، فَإِنَّهُ أَعْمَلَ الْفِعْلَ فِيهِ ، وَجَعَلَهُ اسْمًا صَحِيحًا ، فَيَقُولُ : مَا قُلْتُ لَهُ أُفًّا وَلَا تُفًّا . وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ : قُرِئَتْ : أُفَّ ، وَأُفًّا لُغَةٌ جَعَلُوهَا مِثْلَ نَعْتِهَا .

وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ أُفٌّ ، وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ الْعَرَبِ يَقُولُ : أُفٌّ لَكَ عَلَى الْحِكَايَةِ : أَيْ لَا تَقُلْ لَهُمَا هَذَا الْقَوْلَ . قَالَ : وَالرَّفْعُ قَبِيحٌ ، لِأَنَّهُ لِمَ يَجِئْ بَعْدَهُ بِلَامٍ ، وَالَّذِينَ قَالُوا : أُفِّ فَكَسَرُوا كَثِيرٌ ، وَهُوَ أَجْوَدُ . وَكَسَرَ بَعْضُهُمْ وَنَوَّنَ .

وَقَالَ بَعْضُهُمْ : أُفِّي ، كَأَنَّهُ أَضَافَ هَذَا الْقَوْلَ إِلَى نَفْسِهِ ، فَقَالَ : أُفِّي هَذَا لَكُمَا ، وَالْمَكْسُورُ مِنْ هَذَا مُنَوَّنٌ وَغَيْرُ مُنَوَّنٍ عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ ، نَحْوَ أَمْسِ وَمَا أَشْبَهَهُ ، وَالْمَفْتُوحُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ كَذَلِكَ . وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ : كُلُّ هَذِهِ الْحَرَكَاتِ السِّتِّ تَدْخُلُ فِي أُفٍّ حِكَايَةَ تَشَبُّهٍ بِالِاسْمِ مَرَّةً وَبِالصَّوْتِ أُخْرَى . قَالَ : وَأَكْثَرُ مَا تُكْسَرُ الْأَصْوَاتُ بِالتَّنْوِينِ إِذَا كَانَتْ عَلَى حَرْفَيْنِ مِثْلَ صَهٍ وَمَهٍ وَبَخٍ ، وَإِذَا كَانَتْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ شُبِّهَتْ بِالْأَدَوَاتِ أَفَّ مِثْلُ : لَيْتَ وَمَدَّ ، وَأُفٍّ مِثْلُ مُدٍّ يُشَبَّهُ بِالْأَدَوَاتِ .

وَإِذَا قَالَ أَفَّ مِثْلُ صَهَّ . وَقَالُوا : هِعْتَ مِضِّ يَا هَذَا وَمِضُّ . وَحُكِيَ عَنِ الْكِسَائِي أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ مَا عَلَّمَكَ أَهْلُكَ إِلَّا مِضٍّ وَمِضُّ ، وَهَذَا كَإِفٍّ وَأُفُّ .

وَمَنْ قَالَ : أُفًّا جَعْلَهُ مِثْلَ سُحْقًا وَبُعْدًا . وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ عِنْدِي فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ ( فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفِّ ) بِكَسْرِ الْفَاءِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ لِعِلَّتَيْنِ : إِحْدَاهُمَا : أَنَّهَا أَشْهَرُ اللُّغَاتِ فِيهَا وَأَفْصَحُهَا عِنْدَ الْعَرَبِ; وَالثَّانِيَةُ : أَنْ حَظَّ كُلِّ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُعَرَّبٌ مِنَ الْكَلَامِ السُّكُونُ; فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ . وَكَانَتِ الْفَاءُ فِي أُفِّ حَظُّهَا الْوُقُوفُ ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ لِاجْتِمَاعِ السَّاكِنِينَ فِيهِ ، وَكَانَ حُكْمُ السَّاكِنِ إِذَا حُرِّكَ أَنْ يُحَرَّكَ إِلَى الْكَسْرِ حُرِّكَتْ إِلَى الْكَسْرِ ، كَمَا قِيلَ : مُدِّ وَشُدِّ وَرُدِّ الْبَابَ .

وَقَوْلُهُ وَلا تَنْهَرْهُمَا يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَا تَزْجُرْهُمَا . كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَحْمَسَيُّ ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا وَاصِلٌ الرَّقَاشِيُّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، فِي قَوْلِهِ فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا قَالَ : لَا تَنْفُضْ يَدَكَ عَلَى وَالِدَيْكَ ، يُقَالُ مِنْهُ : نَهَرَهُ يَنْهَرُهُ نَهْرًا ، وَانْتَهَرَهُ يَنْتَهِرُهُ انْتِهَارًا . وَأَمَّا قَوْلُهُ وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا فَإِنَّهُ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا جَمِيلًا حَسَنًا .

كَمَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا قَالَ : أَحْسَنَ مَا تَجِدُ مِنَ الْقَوْلِ . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُخْتَارٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَوْلا كَرِيمًا قَالَا : لَا تَمْتَنِعْ مِنْ شَيْءٍ يُرِيدَانِهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الْحَدِيثُ خَطَأٌ ، أَعْنِي حَدِيثَ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، إِنَّمَا هُوَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، لَيْسَ فِيهِ عُمَرُ ، حَدَّثَ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ وَغَيْرِهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُخْتَارِ .

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا : أَيْ قَوْلًا لَيِّنًا سَهْلًا . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، مِثْلَهُ . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : ثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ عِمْرَانَ ، عَنْ أَبِي الْهَدَّاجِ التَّجِيبِيِّ ، قَالَ : قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : كُلُّ مَا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْقُرْآنِ مِنْ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ ، فَقَدْ عَرَفْتُهُ ، إِلَّا قَوْلَهُ وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا مَا هَذَا الْقَوْلُ الْكَرِيمُ؟ فَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ : قَوْلُ الْعَبْدِ الْمُذْنِبِ لِلسَّيِّدِ الْفَظِّ .

موقع حَـدِيث