الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ "
) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَقَضَى أَيْضًا أَنْ لَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ بِأَكْلٍ ، إِسْرَافًا وَبِدَارًا إِلَى أَنْ يَكْبَرُوا ، وَلَكِنِ اقْرَبُوهُ بِالْفَعْلَةِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، وَالْخُلَّةِ الَّتِي هِيَ أَجْمَلُ ، وَذَلِكَ أَنْ تَتَصَرَّفُوا فِيهِ لَهُ بِالتَّثْمِيرِ وَالْإِصْلَاحِ وَالْحِيطَةِ . وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكَانُوا لَا يُخَالِطُونَهُمْ فِي طَعَامٍ أَوْ أَكْلٍ وَلَا غَيْرِهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ فَكَانَتْ هَذِهِ لَهُمْ فِيهَا رُخْصَةً . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ قَالَ : كَانُوا لَا يُخَالِطُونَهُمْ فِي مَالٍ وَلَا مَأْكَلٍ وَلَا مَرْكَبٍ ، حَتَّى نَزَلَتْ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ .
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ قَالَ : الْأَكْلُ بِالْمَعْرُوفِ ، أَنْ تَأْكُلَ مَعَهُ إِذَا احْتَجْتَ إِلَيْهِ ، كَانَ أُبَيٌّ يَقُولُ ذَلِكَ . وَقَوْلُهُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ يَقُولُ : حَتَّى يَبْلُغَ وَقْتَ اشْتِدَادِهِ فِي الْعَقْلِ ، وَتَدْبِيرِ مَالِهِ ، وَصَلَاحِ حَالِهِ فِي دِينِهِ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ يَقُولُ : وَأَوْفُوا بِالْعَقْدِ الَّذِي تُعَاقِدُونَ النَّاسَ فِي الصُّلْحِ بَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ وَالْإِسْلَامِ ، وَفِيمَا بَيْنَكُمْ أَيْضًا ، وَالْبُيُوعِ وَالْأَشْرِبَةِ وَالْإِجَارَاتِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُقُودِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ سَائِلٌ نَاقِضَ الْعَهْدِ عَنْ نَقْضِهِ إِيَّاهُ ، يَقُولُ : فَلَا تَنْقُضُوا الْعُهُودَ الْجَائِزَةَ بَيْنَكُمْ ، وَبَيْنَ مَنْ عَاهَدْتُمُوهُ أَيُّهَا النَّاسُ فَتُخْفِرُوهُ ، وَتَغْدِرُوا بِمَنْ أَعْطَيْتُمُوهُ ذَلِكَ . وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ أَنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَطْلُوبًا ، يُقَالُ فِي الْكَلَامِ : لِيُسْئَلَنَّ فُلَانٌ عَهْدَ فُلَانٍ .