الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ . . . "
) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : ( وَ ) قَضَى أَنْ ( أَوْفُوا الْكَيْلَ ) لِلنَّاسِ ( إِذَا كِلْتُمْ ) لَهُمْ حُقُوقَهُمْ قِبَلَكُمُ ، وَلَا تَبْخَسُوهُمْ ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ﴾ يَقُولُ : وَقَضَى أَنْ زِنَوْا أَيْضًا إِذَا وَزَنْتُمْ لَهُمْ بِالْمِيزَانِ الْمُسْتَقِيمِ ، وَهُوَ الْعَدْلُ الَّذِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ ، وَلَا دَغَلَ ، وَلَا خَدِيعَةَ . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْقِسْطَاسِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ الْقَبَّانُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ ذَكْوَانَ ، عَنِ الْحَسَنِ ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ﴾ قَالَ : الْقَبَّانِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الْعَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ ، قَالَ : ثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : الْقِسْطَاسُ : الْعَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الْمِيزَانُ صَغُرَ أَوْ كَبُرَ; وَفِيهِ لُغَتَانِ : الْقِسْطَاسُ بِكَسْرِ الْقَافِ ، وَالْقُسْطَاسُ بِضَمِّهَا ، مِثْلُ الْقِرْطَاسِ وَالْقُرْطَاسِ; وَبِالْكَسْرِ يَقْرَأُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، وَبِالضَّمِّ يَقْرَأُ عَامَّهُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ ، وَقَدْ قَرَأَ بِهِ أَيْضًا بَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ ، وَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ ، لِأَنَّهُمَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، وَقِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ .
وَقَوْلُهُ ( ذَلِكَ خَيْرٌ ) يَقُولُ : إِيفَاؤُكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ تَكِيلُونَ لَهُ الْكَيْلَ ، وَوَزْنُكُمْ بِالْعَدْلِ لِمَنْ تُوَفُّونَ لَهُ ( خَيْرٌ لَكُمْ ) مِنْ بَخْسِكُمْ إِيَّاهُمْ ذَلِكَ ، وَظُلْمِكُمُوهُمْ فِيهِ . وَقَوْلُهُ ( وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) يَقُولُ : وَأَحْسَنُ مَرْدُودًا عَلَيْكُمْ وَأَوْلَى إِلَيْهِ فِيهِ فِعْلُكُمْ ذَلِكَ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَرْضَى بِذَلِكَ عَلَيْكُمْ ، فَيُحْسِنُ لَكُمْ عَلَيْهِ الْجَزَاءَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا ﴾ أَيْ خَيْرٌ ثَوَابًا وَعَاقِبَةً . وَأَخْبَرَنَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ : يَا مَعْشَرَ الْمَوَالِي ، إِنَّكُمْ وَلِيتُمْ أَمْرَيْنِ بِهِمَا هَلَكَ النَّاسُ قَبْلَكُمْ : هَذَا الْمِكْيَالُ ، وَهَذَا الْمِيزَانُ . قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : لَا يَقْدِرُ رَجُلٌ عَلَى حَرَامٍ ثُمَّ يَدَعُهُ ، لَيْسَ بِهِ إِلَّا مَخَافَةُ اللَّهِ ، إِلَّا أَبْدَلَهُ اللَّهُ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ذَلِكَ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا قَالَ : عَاقِبَةً وَثَوَابًا .