الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ . . . "
) يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلَّذِينِ قَالُوا لَكَ : إِنَّا نَأْتِي بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ : لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ ، لَا يَأْتُونَ أَبَدًا بِمِثْلِهِ ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَوْنًا وَظَهِيرًا . وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبَبِ قَوْمٍ مِنَ الْيَهُودِ جَادَلُوهُ فِي الْقُرْآنِ ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ غَيْرِهِ شَاهِدَةٍ لَهُ عَلَى نُبُوَّتِهِ ، لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْقُرْآنِ بِهِمْ قُدْرَةٌ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِهِ . ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ : ثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَحْمُودُ بْنُ سَيَحَانَ وَعُمَرُ بْنُ أَضَا وَبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو ، وَعُزَيْزُ بْنُ أَبِي عُزَيْزٍ ، وَسَلَامُ بْنُ مِشْكَمٍ ، فَقَالُوا : أَخْبِرْنَا يَا مُحَمَّدُ بِهَذَا الَّذِي جِئْتَنَا بِهِ ، حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَإِنَّا لَا نَرَاهُ مُتَنَاسِقًا كَمَا تَنَاسُقُ التَّوْرَاةِ ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْرِفُونَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ ، وَلَوِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ مَا جَاءُوا بِهِ ، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ ، وَهُمْ جَمِيعًا : فِنْحَاصُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَا ، وَكِنَانَةُ بْنُ أَبِي الْحَقِيقِ ، وَأَشْيَعُ ، وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ ، وَسَمَوْءَلُ بْنُ زَيْدٍ ، وَجَبَلُ بْنُ عَمْرٍو : يَا مُحَمَّدُ مَا يُعَلِّمُكَ هَذَا ، إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ، فَقَالُوا : يَا مُحَمَّدُ ، إِنَّ اللَّهَ يَصْنَعُ لِرَسُولِهِ إِذَا بَعَثَهُ مَا شَاءَ ، وَيَقْدِرُ مِنْهُ عَلَى مَا أَرَادَ ، فَأَنْزِلْ عَلَيْنَا كِتَابًا تَقْرَؤُهُ وَنَعْرِفُهُ ، وَإِلَّا جِئْنَاكَ بِمِثْلِ مَا تَأْتِي بِهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ وَفِيمَا قَالُوا ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾.
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَوْلُهُ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ . إِلَى قَوْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا قَالَ : مُعِينًا ، قَالَ : يَقُولُ : لَوْ بَرَزَتِ الْجِنُّ وَأَعَانَهُمُ الْإِنْسُ ، فَتَظَاهَرُوا لَمْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ . وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ رَفْعٌ ، وَهُوَ جَوَابٌ لِقَوْلِهِ لَئِنْ ، لِأَنَّ الْعَرَبَ إِذَا أَجَابَتْ لَئِنْ بَلَا رَفَعُوا مَا بَعْدَهَا ، لِأَنَّ لَئِنْ كَالْيَمِينِ وَجَوَابُ الْيَمِينِ بِلَا مَرْفُوعٌ ، وَرَبُّمَا جُزِمَ لِأَنَّ الَّتِي يُجَابُ بِهَا زِيدَتْ عَلَيْهِ لَامٌ ، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى : لَئِنْ مُنِيتَ بِنَا عَنْ غِبِّ مَعْرَكَةٍ لَا تُلْفِنَا عَنْ دِمَاءِ الْقَوْمِ نَنْتَفِلُ