حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ . . . "

) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبَرًا عَنْ قِيلِ بَعْضِ الْفِتْيَةِ لِبَعْضٍ : وَإِذَا اعْتَزَلْتُمْ أَيُّهَا الْفِتْيَةُ قَوْمَكُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ يَقُولُ : وَإِذَا اعْتَزَلْتُمْ قَوْمَكُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مِنَ الْآلِهَةِ سِوَى اللَّهِ ، فَ مَا إِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ فِي مَوْضِعِ نَصَبٍ عَطْفًا لَهَا عَلَى الْهَاءِ ، وَالْمِيمِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَهِيَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ : وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ هَذَا تَفْسِيرُهَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : فَصِيرُوا إِلَى غَارِ الْجَبَلِ الَّذِي يُسَمَّى بَنْجَلُوسَ ، يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ يَقُولُ : يَبْسُطُ لَكُمْ رَبُّكُمْ مَنْ رَحِمَتْهُ بِتَيْسِيرِهِ لَكُمُ الْمَخْرَجَ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي قَدْ رُمِيتُمْ بِهِ مِنَ الْكَافِرِ دَقْيَنُوسَ وَطَلَبِهِ إِيَّاكُمْ لِعَرْضِكُمْ عَلَى الْفِتْنَةِ .

وَقَوْلُهُ : فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ جَوَابٌ لِإِذَ ، كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : وَإِذِ اعْتَزَلْتُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ قَوْمَكُمْ ، فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ ، كَمَا يُقَالُ : إِذْ أَذْنَبَتْ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ . وَقَوْلُهُ : وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا يَقُولُ : وَيُيَسِّرُ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمُ الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ خَوْفًا مِنْكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَدِينِكُمْ مِرْفَقًا ، وَيَعْنِي بِالْمِرْفَقِ : مَا تَرْتَفِقُونَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ ، وَفِي الْمِرْفَقِ مِنَ الْيَدِ وَغَيْرِ الْيَدِ لُغَتَانِ : كَسْرُ الْمِيمِ وَفَتْحُ الْفَاءِ ، وَفَتْحُ الْمِيمِ وَكَسْرُ الْفَاءِ ، وَكَانَ الْكِسَائِيُّ يُنْكِرُ فِي مِرْفَقِ الْإِنْسَانِ الَّذِي فِي الْيَدِ إِلَّا فَتْحَ الْفَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ ، وَكَانَ الْفَرَّاءُ يَحْكِي فِيهِمَا ، أَعْنِي فِي مِرْفَقِ الْأَمْرِ وَالْيَدِ اللُّغَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا ، وَكَانَ يُنْشِدُ فِي ذَلِكَ قَوْلَ الشَّاعِرِ : بَتُّ أُجَافِي مَرْفَقًا عَنْ مَرْفِقِي وَيَقُولُ : كَسْرُ الْمِيمِ فِيهِ أَجْوَدُ . وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِييِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا شَيْئًا تَرْتَفِقُونَ بِهِ مِثْلَ الْمَقْطَعَ ، وَمَرْفَقًا جَعَلَهُ اسْمًا كَالْمَسْجِدِ ، وَيَكُونُ لُغَةً ، يَقُولُونَ : رَفُقَ يَرْفُقُ مَرْفَقًا ، وَإِنْ شِئْتَ مَرْفَقًا تُرِيدُ رِفْقًا وَلَمْ يُقْرَأْ .

وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ . فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهَّلِ الْمَدِينَةِ : وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْفَاءِ ، وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْعِرَاقِ فِي الْمَصْرَيْنِ ( مِرْفَقًا ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ بِمَعْنَى وَاحِدٍ ، قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا قُرَّاءٌ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ ، غَيْرَ أَنَّ الْأَمْرَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّ الَّذِي اخْتَارَ فِي قِرَاءَةٍ ذَلِكَ : وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَفْصَحُ اللُّغَتَيْنِ وَأَشْهَرُهُمَا فِي الْعَرَبِ ، وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَا ارْتَفَقَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ .

موقع حَـدِيث