الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ . . . . . "
) يَقُولُ : أَمَّا فِعْلِي مَا فَعَلْتُ بِالسَّفِينَةِ ، فَلِأَنَّهَا كَانَتْ لِقَوْمٍ مَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا بِالْخَرْقِ الَّذِي خَرَقْتُهَا . كَمَا حَدَّثَنِي ابْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا قَالَ : أَخْرُقُهَا . حَدَّثَنَا الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، مِثْلَهُ . وَقَوْلُهُ : وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ وَكَانَ أَمَامَهُمْ وَقُدَّامَهُمْ مَلِكٌ . كَمَا حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ قَالَ قَتَادَةُ : أَمَامَهُمْ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ : مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَهِيَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : كَانَ فِي الْقِرَاءَةِ : وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَحِيحَةٍ غَصْبًا . وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ : وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ جَعَلَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ وَرَاءَ مِنْ حُرُوفِ الْأَضْدَادِ ، وَزَعَمَ أَنَّهُ يَكُونُ لِمَا هُوَ أَمَامَهُ وَلِمَا خَلْفَهُ ، وَاسْتَشْهَدَ لِصِحَّةِ ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ : أيَرْجُو بَنُو مَرْوَانَ سَمْعِي وَطَاعَتِي وَقَوْمِي تَمِيمٌ والْفَلَاةُ وَرَائِيَا بِمَعْنَى أَمَامِي .
وَقَدْ أَغْفَلَ وَجْهَ الصَّوَابِ فِي ذَلِكَ . وَإِنَّمَا قِيلَ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ : هُوَ وَرَائِي ، لِأَنَّكَ مِنْ وَرَائِهِ ، فَأَنْتَ مُلَاقِيهِ كَمَا هُوَ مُلَاقِيكَ ، فَصَارَ : إِذْ كَانَ مُلَاقِيكَ ، كَأَنَّهُ مِنْ وَرَائِكَ وَأَنْتَ أَمَامَهُ . وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ لَا يُجِيزُ أَنْ يُقَالَ لِرَجُلٍ بَيْنَ يَدَيْكَ : هُوَ وَرَائِي ، وَلَا إِذَا كَانَ وَرَاءَكَ أَنْ يُقَالَ : هُوَ أَمَامِي ، وَيَقُولُ : إِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْمَوَاقِيتِ مِنَ الْأَيَّامِ وَالْأَزْمِنَةِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ : وَرَاءَكَ بَرْدٌ شَدِيدٌ ، وَبَيْنَ يَدَيْكَ حَرٌّ شَدِيدٌ ، لِأَنَّكَ أَنْتَ وَرَاءَهُ ، فَجَازَ لِأَنَّهُ شَيْءٌ يَأْتِي ، فَكَأَنَّهُ إِذَا لَحِقَكَ صَارَ مِنْ وَرَائِكَ ، وَكَأَنَّكَ إِذَا بَلَغْتَهُ صَارَ بَيْنَ يَدَيْكَ .
قَالَ : فَلِذَلِكَ جَازَ الْوَجْهَانِ . وَقَوْلُهُ : يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا فَيَقُولُ الْقَائِلُ : فَمَا أَغْنَى خَرْقُ هَذَا الْعَالِمِ السَّفِينَةَ الَّتِي رَكِبَهَا عَنْ أَهْلِهَا ، إِذْ كَانَ مِنْ أَجْلِ خَرْقِهَا يَأْخُذُ السُّفُنَ كُلَّهَا ، مَعِيبَهَا وَغَيْرَ مَعِيبِهَا ، وَمَا كَانَ وَجْهُ اعْتِلَالِهِ فِي خَرْقِهَا بِأَنَّهُ خَرَقَهَا ، لِأَنَّ وَرَاءَهُمْ مَلَكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا؟ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ ، أَنَّهُ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَحِيحَةٍ غَصْبًا ، وَيَدَعُ مِنْهَا كُلَّ مَعِيبَةٍ ، لَا أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ صِحَاحَهَا وَغَيْرَ صِحَاحِهَا . فَإِنْ قَالَ : وَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ؟ قِيلَ : قَوْلُهُ : فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا فَأَبَانَ بِذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا عَابَهَا ، لِأَنَّ الْمَعِيبَةَ مِنْهَا لَا يَعْرِضُ لَهَا ، فَاكْتَفَى بِذَلِكَ مِنْ أَنْ يُقَالَ : وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلَكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَحِيحَةٍ غَصْبًا ، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ كَذَلِكَ .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : هِيَ فِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ : وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلَكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : ثَنِي الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ : وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلَكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا وَإِنَّمَا عِبْتُهَا لِأَرُدَّهُ عَنْهَا . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا فَإِذَا خَلَّفُوهُ أَصْلَحُوهَا بِزِفْتٍ فَاسْتَمْتَعُوا بِهَا . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ شُعَيْبٍ الْجَبَئِيِّ ، أَنَّ اسْمَ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا : هُدَدُ بْنُ بُدَدَ .