الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا "
) ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾( 104 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قُلْ ) يَا مُحَمَّدُ لَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَبْغُونَ عَنَتَكَ وَيُجَادِلُونَكَ بِالْبَاطِلِ ، وَيُحَاوِرُونَكَ بِالْمَسَائِلِ مَنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ : الْيَهُودُ ، وَالنَّصَارَى هَلْ نُنَبِّئُكُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا يَعْنِي بِالَّذِينِ أَتْعَبُوا أَنْفُسَهُمْ فِي عَمَلٍ يَبْتَغُونَ بِهِ رِبْحًا وَفَضْلًا فَنَالُوا بِهِ عَطَبًا وَهَلَاكًا وَلَمْ يُدْرِكُوا طَلَبًا ، كَالْمُشْتَرِي سِلْعَةً يَرْجُو بِهَا فَضْلًا وَرِبْحًا ، فَخَابَ رَجَاؤُهُ . وَخَسِرَ بَيْعُهُ ، وَوُكِسَ فِي الَّذِي رَجَا فَضْلَهُ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ عُنُوا بِذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عُنِيَ بِهِ الرُّهْبَانُ وَالْقُسُوسُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا الْمَقْبُرِيُّ ، قَالَ : ثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي السَّكَنُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ ، أَنَّ أُمَّهُ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ أَبَا خَمِيصَةَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا ﴾ هُمُ الرُّهْبَانُ الَّذِينَ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الصَّوَامِعِ . حَدَّثَنَا يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ حَيْوَةَ يَقُولُ : ثَنِي السَّكَنُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ ، عَنْ أُمِّهِ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ . حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أَهُمُ الْحَرُورِيَّةُ؟ قَالَ : هُمْ أَصْحَابُ الصَّوَامِعِ .
حَدَّثَنَا فَضَالَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، قَالَ : قَالَ بَزِيعٌ : سَأَلَ رَجُلٌ الضَّحَّاكَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا ﴾ قَالَ : هُمُ الْقِسِّيسُونَ وَالرُّهْبَانُ . حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ : قَالَ سَعْدٌ : هُمْ أَصْحَابُ الصَّوَامِعِ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ ثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنِ ابْنِ سَعْدٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِسَعْدٍ : يَا أَبَتِ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا أَهُمُ الْحَرُورِيَّةُ ، فَقَالَ : لَا وَلَكِنَّهُمْ أَصْحَابُ الصَّوَامِعِ ، وَلَكِنَّ الْحَرُورِيَّةَ قَوْمٌ زَاغُوا فَأَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُمْ جَمِيعُ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ ثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ أَبِي عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا ﴾الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أَهُمُ الْحَرُورِيَّةُ؟ قَالَ : لَا ، هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ ، الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى . أَمَّا الْيَهُودُ فَكَذَّبُوا بِمُحَمَّدٍ .
وَأَمَّا النَّصَارَى فَكَفَرُوا بِالْجَنَّةِ وَقَالُوا : لَيْسَ فِيهَا طَعَامٌ وَلَا شَرَابٌ ، وَلَكِنَّ الْحَرُورِيَّةَ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ فَكَانَ سَعْدٌ يُسَمِّيهِمُ الْفَاسِقِينَ . حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي حُرَّةَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، فِي قَوْلِهِ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا ﴾ قَالَ : هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ زَاذَانَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا ﴾ قَالَ : هُمْ كَفَرَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ ، كَانَ أَوَائِلُهُمْ عَلَى حَقٍّ ، فَأَشْرَكُوا بِرَبِّهِمْ ، وَابْتَدَعُوا فِي دِينِهِمْ ، الَّذِي يَجْتَهِدُونَ فِي الْبَاطِلِ ، وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى حَقٍّ ، وَيَجْتَهِدُونَ فِي الضَّلَالَةِ ، وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى هُدًى ، فَضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ، ثُمَّ رَفَعَ صَوْتَهُ ، فَقَالَ : وَمَا أَهْلُ النَّارِ مِنْهُمْ بِبَعِيدٍ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُمُ الْخَوَارِجُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا يَحْيَى ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، قَالَ : سَأَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْكَوَّاءِ عَلِيًّا عَنْ قَوْلِهِ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا ﴾ قَالَ : أَنْتُمْ يَا أَهْلَ حَرُورَاءَ . حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي صَخْرٍ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ الْبَجَلِيِّ ، عَنْ أَبِي الصَّهْبَاءِ الْبَكْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، أَنَّ ابْنَ الْكَوَّاءِ سَأَلَهُ ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا فَقَالَ عَلَيٌّ : أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، قَالَ : قَامَ ابْنُ الْكَوَّاءِ إِلَى عَلَيٍّ ، فَقَالَ : مِنَ الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ، قَالَ : وَيْلَكَ أَهْلُ حَرُورَاءَ مِنْهُمْ . حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ ابْنِ عَشْمَةَ ، قَالَ : ثَنَا مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : ثَنَى أَبُو الْحُوَيْرِثِ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ الْكَوَّاءِ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ : مَا الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؟ قَالَ : أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا ، أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَنَى بِقَوْلِهِ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا كُلَّ عَامِلٍ عَمَلًا يَحْسَبُهُ فِيهِ مُصِيبًا ، وَأَنَّهُ لِلَّهِ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ مُطِيعٌ مُرْضٍ ، وَهُوَ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ لِلَّهِ مُسْخِطٌ ، وَعَنْ طَرِيقِ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ جَائِرٌ كَالرَّهَابِنَةِ وَالشَّمَامِسَةِ وَأَمْثَالِهِمْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِي ضَلَالَتِهِمْ ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ وَاجْتِهَادِهِمْ بِاللَّهِ كَفَرَةٌ ، مِنْ أَهْلِ أَيِّ دِينٍ كَانُوا .
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ نَصْبِ قَوْلِهِ ( أَعْمَالًا ) ، فَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ : نُصِبَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا أَدْخَلَ الْأَلِفَ وَاللَّامَ وَالنُّونَ فِي الْأَخْسَرِينَ لَمْ يُوصَلْ إِلَى الْإِضَافَةِ ، وَكَانَتِ الْأَعْمَالُ مِنَ الْأَخْسَرِينَ فَلِذَلِكَ نُصِبَ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : هَذَا بَابُ الْأَفْعَلِ والْفُعْلَى ، مِثْلُ الْأَفْضَلِ وَالْفُضْلَى ، وَالْأَخْسَرِ والْخُسْرَى ، وَلَا تَدْخُلُ فِيهِ الْوَاوُ ، وَلَا يَكُونُ فِيهِ مُفَسَّرٌ ، لِأَنَّهُ قَدِ انْفَصَلَ بِمَنْ هُوَ كَقَوْلِهِ : الْأَفْضَلُ وَالْفُضْلَى ، وَإِذَا جَاءَ مَعَهُ مُفَسَّرٌ كَانَ لِلْأَوَّلِ وَالْآخَرِ ، وَقَالَ : أَلَّا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ : مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَسَنٍ وَجْهًا ، فَيَكُونُ الْحُسْنُ لِلرَّجُلِ وَالْوَجْهِ ، وَكَذَلِكَ كَبِيرٌ عَقْلًا وَمَا أَشْبَهَهُ قَال : وَإِنَّمَا جَازَ فِي الْأَخْسَرِينَ ، لِأَنَّهُ رَدَّهُ إِلَى الْأَفْعَلِ والْأفْعَلَةِ . قَالَ : وَسَمِعْتُ الْعَرَبَ تَقُولُ : الْأُولَاتُ دُخُولًا وَالْآخِرَاتُ خُرُوجًا ، فَصَارَ لِلْأَوَّلِ وَالثَّانِي كَسَائِرِ الْبَابِ قَالَ : وَعَلَى هَذَا يُقَاسُ . وَقَوْلُهُ : الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا يَقُولُ : هُمُ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ عَمَلُهُمُ الَّذِي عَمِلُوهُ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا عَلَى هُدًى وَاسْتِقَامَةٍ ، بَلْ كَانَ عَلَى جَوْرٍ وَضَلَالَةٍ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَمِلُوا بِغَيْرِ مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ بَلْ عَلَى كُفْرٍ مِنْهُمْ بِهِ ، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا : يَقُولُ : وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ لِلَّهِ مُطِيعُونَ ، وَفِيمَا نَدَبَ عِبَادَهُ إِلَيْهِ مُجْتَهِدُونَ ، وَهَذَا مِنْ أَدَلِّ الدَّلَائِلِ عَلَى خَطَأِ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِاللَّهِ أَحَدٌ إِلَّا مِنْ حَيْثُ يَقْصِدُ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِوَحْدَانِيَّتِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، أَنَّ سَعْيَهُمُ الَّذِي سَعَوْا فِي الدُّنْيَا ذَهَبَ ضَلَالًا وَقَدْ كَانُوا يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُحْسِنُونَ فِي صُنْعِهِمْ ذَلِكَ ، وَأَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ .
وَلَوْ كَانَ الْقَوْلُ كَمَا قَالَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِاللَّهِ أَحَدٌ إِلَّا مِنْ حَيْثُ يَعْلَمُ ، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ فِي عَمَلِهِمُ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَحْسَبُونَ فِيهِ أَنَّهُمْ يَحْسُنُونَ صُنْعَهُ ، كَانُوا مُثَابِينَ مَأْجُورِينَ عَلَيْهَا ، وَلَكِنَّ الْقَوْلَ بِخِلَافِ مَا قَالُوا ، فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ بِاللَّهِ كَفَرَةٌ ، وَأَنَّ أَعْمَالَهُمْ حَابِطَةٌ . وَعَنَى بِقَوْلِهِ : أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا عَمَلًا وَالصُّنْعُ وَالصَّنْعَةُ وَالصَّنِيعُ وَاحِدٌ ، يُقَالُ : فَرَسٌ صَنِيعٌ بِمَعْنَى مَصْنُوعٍ .