الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا "
) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَخَرَجَ زَكَرِيَّا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ مُصَلَّاهُ حِينَ حُبِسَ لِسَانُهُ عَنْ كَلَامِ النَّاسِ ، آيَةٌ مِنَ اللَّهِ لَهُ عَلَى حَقِيقَةِ وَعْدِهِ إِيَّاهُ مَا وَعَدَ . فَكَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ يَقُولُ فِي مَعْنَى خُرُوجِهِ مِنْ مِحْرَابِهِ ، مَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ قَالَ : أَشْرَفَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْمِحْرَابِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ قَالَ : الْمِحْرَابُ : مُصَلَّاهُ ، وَقَرَأَ : فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ وَقَوْلُهُ : فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ يَقُولُ : أَشَارَ إِلَيْهِمْ ، وَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الْإِشَارَةُ بِالْيَدِ وَبِالْكِتَابِ وَبِغَيْرِ ذَلِكَ ، مِمَّا يُفْهَمُ بِهِ عَنْهُ مَا يُرِيدُ . وَلِلْعَرَبِ فِي ذَلِكَ لُغَتَانِ : وَحَى ، وَأَوْحَى فَمَنْ قَالَ : وَحَى ، قَالَ فِي يَفْعَلُ : يَحِي; وَمَنْ قَالَ : أَوْحَى ، قَالَ : يُوحِي ، وَكَذَلِكَ أَوَمَى وَوَمَى ، فَمَنْ قَالَ : وَمَى ، قَالَ فِي يَفْعَلُ يَمِي; وَمَنْ قَالَ أَوَمَى ، قَالَ يُومِي . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ أَوْحَى إِلَى قَوْمِهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَوْحَى إِلَيْهِمْ إِشَارَةً بِالْيَدِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ( فَأَوْحَى ) : فَأَشَارَ زَكَرِيَّا . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَمَّنْ لَا يُتَّهَمُ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ قَالَ : الْوَحْيُ : الْإِشَارَةُ .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ قَالَ : أَوْمَى إِلَيْهِمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى أَوْحَى : كَتَبَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خِدَاشٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا قَالَ : كَتَبَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنِ الْحَكَمِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ قَالَ : كَتَبَ لَهُمْ . حَدَّثَنَا مُوسَى ، قَالَ : ثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَكَتَبَ لَهُمْ فِي كِتَابٍ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَمَرَهُمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا قَالَ : مَا أَدْرِي كِتَابًا كَتَبَهُ لَهُمْ ، أَوْ إِشَارَةً أَشَارهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : أَمَرَهُمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ، وَهُوَ لَا يُكَلِّمُهُمْ .
وَقَوْلُهُ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا قَدْ بَيَّنْتُ فِيمَا مَضَى الْوُجُوهَ الَّتِي يَنْصَرِفُ فِيهَا التَّسْبِيحُ ، وَقَدْ يَجُوزُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنْ يَكُونَ عَنَى بِهِ التَّسْبِيحَ الَّذِي هُوَ ذِكْرُ اللَّهِ ، فَيَكُونُ أَمَرَهُمْ بِالْفَرَاغِ لِذِكْرِ اللَّهِ فِي طَرَفَيِ النَّهَارِ بِالتَّسْبِيحِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَنَى بِهِ الصَّلَاةَ ، فَيَكُونُ أَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ فِي هَذَيْنَ الْوَقْتَيْنِ . وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا قَالَ : أَوْمَى إِلَيْهِمْ أَنْ صَلَّوْا بُكْرَةً وَعَشِيًّا .