الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا "
) ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ﴾( 42 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ : ( وَاذْكُرْ ) يَا مُحَمَّدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ( إِبْرَاهِيمَ ) خَلِيلَ الرَّحْمَنِ ، فَاقْصُصْ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ قَصَصَهُ وَقَصَصَ أَبِيهِ ، إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا يَقُولُ : كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ فِي حَدِيثِهِ وَأَخْبَارِهِ وَمَوَاعِيدِهِ لَا يَكْذِبُ ، وَالصِّدِّيقُ هُوَ الْفِعِّيلُ مِنَ الصِّدْقِ . وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ( نَبِيًّا ) يَقُولُ : كَانَ اللَّهُ قَدْ نَبَّأَهُ وَأَوْحَى إِلَيْهِ . وَقَوْلُهُ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَقُولُ : اذْكُرْهُ حِينَ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ يَقُولُ : مَا تَصْنَعُ بِعِبَادَةِ الْوَثَنِ الَّذِي لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ شَيْئًا وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا يَقُولُ : وَلَا يَدْفَعُ عَنْكَ ضُرَّ شَيْءٍ ، إِنَّمَا هُوَ صُورَةٌ مُصَوَّرَةٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ ، يَقُولُ مَا تَصْنَعُ بِعِبَادَةِ مَا هَذِهِ صِفَتُهُ؟ اعْبُدِ الَّذِي إِذَا دَعَوْتَهُ سَمِعَ دُعَاءَكَ ، وَإِذَا أُحِيطَ بِكَ أَبْصَرَكَ فَنَصَرَكَ ، وَإِذَا نَزَلَ بِكَ ضُرٌّ دَفَعَ عَنْكَ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ دُخُولِ الْهَاءِ فِي قَوْلِهِ ( يَا أَبَتِ ) فَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ : إِذَا وَقَفْتَ عَلَيْهَا قُلْتَ : يَا أَبَهْ ، وَهِيَ هَاءٌ زِيدَتْ نَحْوَ قَوْلِكَ : يَا أُمَّهْ ، ثُمَّ يُقَالُ : يَا أُمَّ إِذَا وُصِلَ ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ الْأَبُ عَلَى حَرْفَيْنِ ، كَانَ كَأَنَّهُ قَدْ أُخِلَّ بِهِ ، فَصَارَتِ الْهَاءُ لَازِمَةً ، وَصَارَتِ الْيَاءُ كَأَنَّهَا بَعْدَهَا ، فَلِذَلِكَ قَالُوا : يَا أَبَةِ أَقْبِلْ ، وَجَعَلَ التَّاءَ لِلتَّأْنِيثِ ، وَيَجُوزُ التَّرْخِيمُ مِنْ أَيَا أَبِ أَقْبِلْ ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَدْعُوَ مَا تُضِيفُهُ إِلَى نَفْسِكَ فِي الْمَعْنَى مَضْمُومًا ، نَحْوَ قَوْلِ الْعَرَبِ : يَا رَبِّ اغْفِرْ لِي ، وَتَقِفُ فِي الْقُرْآنِ : يَا أَبَةِ فِي الْكِتَابِ . وَقَدْ يَقِفُ بَعْضُ الْعَرَبِ عَلَى الْهَاءِ بِالتَّاءِ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْكُوفَةِ : الْهَاءُ مَعَ أَبَةِ وَأُمَّةِ هَاءُ وَقْفٍ ، كَثُرَتْ فِي كَلَامِهِمْ حَتَّى صَارَتْ كَهَاءِ التَّأْنِيثَ ، وَأَدْخَلُوا عَلَيْهَا الْإِضَافَةَ ، فَمَنْ طَلَبَ الْإِضَافَةَ ، فَهِيَ بِالتَّاءِ لَا غَيْرُ ، لِأَنَّكَ تَطْلُبُ بَعْدَهَا الْيَاءَ ، وَلَا تَكُونُ الْهَاءُ حِينَئِذٍ إِلَّا تَاءً ، كَقَوْلِكَ : يَا أَبَتِ لَا غَيْرُ ، وَمَنْ قَالَ : يَا أَبَهْ ، فَهُوَ الَّذِي يَقِفُ بِالْهَاءِ ، لِأَنَّهُ لَا يَطْلُبُ بَعْدَهَا يَاءً; وَمَنْ قَالَ : يَا أَبَتَا ، فَإِنَّهُ يَقِفُ عَلَيْهَا بِالتَّاءِ ، وَيَجُوزُ بِالْهَاءِ; فَأَمَّا بِالتَّاءِ ، فَلِطَلَبِ أَلِفِ النُّدْبَةِ ، فَصَارَتِ الْهَاءُ تَاءً لِذَلِكَ ، وَالْوَقْفُ بِالْهَاءِ بَعِيدٌ ، إِلَّا فِيمَنْ قَالَ : يَا أُمَيْمَةَ نَاصِبِ فَجَعَلَ هَذِهِ الْفَتْحَةَ مِنْ فَتْحَةِ التَّرْخِيمِ ، وَكَأَنَّ هَذَا طَرَفُ الِاسْمِ ، قَالَ : وَهَذَا بَعِيدٌ .