الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ . . . "
) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : قَالَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ لِإِبْرَاهِيمَ ، حِينَ دَعَاهُ إِبْرَاهِيمُ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَتَرْكِ عِبَادَةِ الشَّيْطَانِ ، وَالْبَرَاءَةِ مِنَ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ أَرَاغِبٌ أَنْتَ يَا إِبْرَاهِيمُ عَنْ عِبَادَةِ آلِهَتِي؟ ( لَئِنْ ) أَنْتَ ( لَمْ تَنْتَهِ ) عَنْ ذِكْرِهَا بِسُوءٍ ( لَأَرْجُمَنَّكَ ) يَقُولُ : لَأَرْجُمَنَّكَ بِالْكَلَامِ ، وَذَلِكَ السَّبُّ ، وَالْقَوْلُ الْقَبِيحُ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُوسَى ، قَالَ : ثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ بِالشَّتِيمَةِ وَالْقَوْلِ .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، فِي قَوْلِهِ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ قَالَ : بِالْقَوْلِ; لَأَشْتُمَنَّكَ . حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ ، يَقُولُ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ ( لَأَرْجُمَنَّكَ ) يَعْنِي : رَجْمَ الْقَوْلِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَاهْجُرْنِي حِينًا طَوِيلًا وَدَهْرًا .
وَوَجَّهَوا مَعْنَى الْمَلِيِّ إِلَى الْمُلَاوَةِ مِنَ الزَّمَانِ ، وَهُوَ الطَّوِيلُ مِنْهُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْوَضَّاحِ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا قَالَ : دَهْرًا . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ ( مَلِيًّا ) قَالَ حِينًا .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا قَالَ : طَوِيلًا . حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الْحَسَنِ ، فِي قَوْلِهِ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا قَالَ : زَمَانًا طَوِيلًا .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا يَقُولُ : دَهْرًا ، وَالدَّهْرُ الْمَلِيُّ . حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : ثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا قَالَ : دَهْرًا . حَدَّثَنَا مُوسَى ، قَالَ : ثَنَا عَمْرٌو ، ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا قَالَ : أَبَدًا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَاهْجُرْنِي سَوِيًّا سَلِيمًا مِنْ عُقُوبَتِي إِيَّاكَ ، وَوَجَّهُوا مَعْنَى الْمَلِيِّ إِلَى قَوْلِ النَّاسِ : فُلَانٌ مَلِيٌّ بِهَذَا الْأَمْرِ : إِذَا كَانَ مُضْطَلِعًا بِهِ غَنِيًّا فِيهِ . وَكَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ كَانَ عِنْدَهُمْ : وَاهْجُرْنِي وَعِرْضُكَ وَافِرٌ مِنْ عُقُوبَتِي ، وَجِسْمُكَ مُعَافًى مِنْ أَذَايَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا يَقُولُ : اجْتَنِبْنِي سَوِيًّا .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا قَالَ : اجْتَنِبْنِي سَالِمًا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكَ مِنِّي عُقُوبَةٌ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا قَالَ : سَالِمًا . حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، مِثْلَهُ .
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ كَثِيرِ بْنِ دِرْهَمٍ أَبُو غَسَّانَ ، قَالَ : ثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ عَطِيَّةَ الْجَدَلِيِّ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا قَالَ : سَالِمًا . حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا اجْتَنِبْنِي سَالِمًا لَا يُصِيبُكَ مِنِّي مَعَرَّةٌ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَاهْجُرْنِي سَوِيًّا ، سَلَمًا مِنْ عُقُوبَتِي ، لِأَنَّهُ عَقِيبُ قَوْلِهِ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَذَلِكَ وَعِيدٌ مِنْهُ لَهُ إِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْ ذِكْرِ آلِهَتِهِ بِالسُّوءِ أَنْ يَرْجُمَهُ بِالْقَوْلِ السَّيِّئِ ، وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِأَنْ يَتَّبِعَ ذَلِكَ التَّقَدُّمَ إِلَيْهِ بِالِانْتِهَاءِ عَنْهُ قَبْلَ أَنْ تَنَالَهُ الْعُقُوبَةُ ، فَأَمَّا الْأَمْرُ بِطُولِ هَجْرِهِ فَلَا وَجْهَ لَهُ .