الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا "
) ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ﴾( 92 ) ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴾( 93 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَتَكَادُ الْجِبَالُ أَنْ تَخِرَّ انْقِضَاضًا ، لِ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ﴾. فَ أَنْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ فِي قَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ ، لِاتِّصَالِهَا بِالْفِعْلِ ، وَفِي قَوْلِ غَيْرِهِ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ بِضَمِيرِ الْخَافِضِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا الصَّوَابَ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَقَالَ ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ﴾ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : أَنْ دَعَوْا : أَنْ جَعَلُوا لَهُ وَلَدًا ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : أَلَّا رُبَّ مَنْ تَدْعُو نَصِيحًا وَإِنْ تَغِبْ تَجدْهُ بِغَيْبٍ غَيْرَ مُنْتَصِحِ الصَّدْرِ وَقَالَ ابْنُ أَحْمَرَ : أَهْوَى لَهَا مِشْقَصًا حَشْرًا فَشَبْرَقَهَا وَكُنْتُ أَدْعُو قَذَاهَا الْإِثْمَدَ الْقَرِدَا وَقَوْلُهُ ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ﴾ يَقُولُ : وَمَا يَصْلُحُ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ، لِأَنَّهُ لَيْسَ كَالْخَلْقِ الَّذِينَ تَغْلِبُهُمُ الشَّهَوَاتُ ، وَتَضْطَرُّهُمُ اللَّذَّاتُ إِلَى جِمَاعِ الْإِنَاثِ ، وَلَا وَلَدَ يَحْدُثُ إِلَّا مِنْ أُنْثَى ، وَاللَّهِ يَتَعَالَى عَنْ أَنْ يَكُونَ كَخَلْقِهِ ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ ابْنِ أَحْمَرَ : فِي رَأْسِ خَلْقَاءَ مِنْ هَنْقَاءَ مُشْرِفَةٍ مَا يَنْبَغِي دُونَهَا سَهْلٌ وَلَا جَبَلُ يَعْنِي : لَا يَصْلُحُ وَلَا يَكُونُ .
﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴾ يَقُولُ : مَا جَمِيعُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، وَفِي الْأَرْضِ مِنَ الْبَشَرِ وَالْإِنْسِ وَالْجِنِّ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا يَقُولُ : إِلَّا يَأْتِي رَبَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَبْدًا لَهُ ، ذَلِيلًا خَاضِعًا ، مُقِرًّا لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ ، لَا نَسَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ . وَقَوْلُهُ آتِي الرَّحْمَنِ إِنَّمَا هُوَ فَاعِلٌ مِنْ أَتَيْتُهُ ، فَأَنَا آتِيهِ .