الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى "
) ﴿مَا أَنْـزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ﴾( 2 ) ﴿إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ﴾( 3 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ طه فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ يَا رَجُلُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ وَاقِدٍ ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : طه : بِالنَّبَطِيَّةِ : يَا رَجُلُ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ طه ﴿مَا أَنْـزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ﴾ فَإِنَّ قَوْمَهُ قَالُوا : لَقَدْ شَقِيَ هَذَا الرَّجُلُ بِرَبِّهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ طه يَعْنِي : يَا رَجُلُ ﴿مَا أَنْـزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ﴾.
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ ، أَوْ يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ : طه : يَا رَجُلُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَأَخْبَرَنِي زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، بِذَلِكَ أَيْضًا . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ ، ذَلِكَ أَيْضًا .
حَدَّثَنَا عِمْرَانَ بْنُ مُوسَى الْقَزَّازُ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : ثَنَا عُمَارَةُ عَنْ عِكْرِمَةَ ، فِي قَوْلِهِ طه قَالَ : يَا رَجُلُ ، كَلَّمَهُ بِالنَّبَطِيَّةِ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، فِي قَوْلِهِ طه قَالَ : بِالنَّبَطِيَّةِ : يَا إِنْسَانُ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، فِي قَوْلِهِ طه قَالَ : يَا رَجُلُ بِالنَّبَطِيَّةِ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ طه قَالَ : يَا رَجُلُ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ طه قَالَ : يَا رَجُلُ ، وَهِيَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ . حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَالْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ طه قَالَا يَا رَجُلُ .
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ ، يَقُولُ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ ، يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ طه قَالَ : يَا رَجُلُ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ ، وَقَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا عَلَيٌّ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلَيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ طه قَالَ : فَإِنَّهُ قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ ، وَهُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ حُرُوفُ هِجَاءٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ حُرُوفٌ مُقَطَّعَةٌ يَدُلُّ كُلُّ حَرْفٍ مِنْهَا عَلَى مَعْنًى ، وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ اخْتِلَافَهُمْ فِي ألم . وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهِ ، وَبَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ .
وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ عِنْدِي مِنَ الْأَقْوَالِ فِيهِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : يَا رَجُلُ ، لِأَنَّهَا كَلِمَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي عَكَّ فِيمَا بَلَغَنِي ، وَأَنَّ مَعْنَاهَا فِيهِمْ : يَا رَجُلُ ، أَنْشَدْتُ لِمُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ : هَتَفْتُ بِطَهَ فِي الْقِتَالِ فَلَمْ يُجِبْ فَخِفْتُ عَلَيْهِ أَنْ يَكونَ مُوَائِلًا وَقَالَ آخَرُ : إِنَّ السَّفاهَةَ طَهَ مِنْ خَلَائِقِكُمْ لَا بَارَكَ اللَّهُ فِي الْقَوْمِ الْمَلَاعِينِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا فِيهِمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُوَجَّهَ تَأْوِيلُهُ إِلَى الْمَعْرُوفِ فِيهِمْ مِنْ مَعْنَاهُ ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا وَافَقَ ذَلِكَ تَأْوِيلُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنَ . فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ : يَا رَجُلُ ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ﴾، مَا أَنْزَلْنَاهُ عَلَيْكَ فَنُكَلِّفُكَ مَا لَا طَاقَةَ لَكَ بِهِ مِنَ الْعَمَلِ ، وَذُكِرَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ بِسَبَبِ مَا كَانَ يَلْقَى مِنَ النَّصَبِ وَالْعَنَاءِ وَالسَّهَرِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿مَا أَنْـزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ﴾ قَالَ : هِيَ مِثْلُ قَوْلِهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ فَكَانُوا يُعَلِّقُونَ الْحِبَالَ فِي صُدُورِهِمْ فِي الصَّلَاةِ .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿مَا أَنْـزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ﴾ قَالَ : فِي الصَّلَاةِ كَقَوْلِهِ : فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ فَكَانُوا يُعَلِّقُونَ الْحِبَالَ بِصُدُورِهِمْ فِي الصَّلَاةِ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿مَا أَنْـزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ﴾ لَا وَاللَّهِ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ شَقِيًّا ، وَلَكِنْ جَعْلَهُ رَحْمَةً وَنُورًا ، وَدَلِيلًا إِلَى الْجَنَّةِ . وَقَوْلُهُ ﴿إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ﴾عِقَابَ اللَّهِ ، فَيَتَّقِيهِ بِأَدَاءِ فَرَائِضِ رَبِّهِ وَاجْتِنَابِ مَحَارِمِهِ .
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ ﴿إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ﴾ وَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ كُتُبَهُ ، وَبَعَثَ رُسُلَهَ رَحْمَةً رَحِمَ اللَّهُ بِهَا الْعِبَادَ ، لِيَتَذَكَّرَ ذَاكِرٌ ، وَيَنْتَفِعَ رَجُلٌ بِمَا سَمِعَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، وَهُوَ ذِكْرٌ لَهُ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ حَلَالَهُ وَحَرَامَهُ ، فَقَالَ ﴿تَنْـزِيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلا ﴾. حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ ﴿إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ﴾ قَالَ : الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ عَلَيْكَ تَذْكِرَةٌ لِمَنْ يَخْشَى . فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذَنْ : يَا رَجُلُ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ لِتَشْقَى بِهِ ، مَا أَنْزَلْنَاهُ ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ﴾.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ نَصْبِ تَذْكِرَةٍ ، فَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ : قَالَ : إِلَّا تَذْكِرَةً بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ لِتَشْقَى ، فَجَعَلَهُ : مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ إِلَّا تَذْكِرَةً ، وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْكُوفَةِ يَقُولُ : نُصِبَتْ عَلَى قَوْلِهِ : مَا أَنْزَلْنَاهُ إِلَّا تَذْكِرَةً ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يُنْكِرُ قَوْلَ الْقَائِلِ : نُصِبَتْ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ ( لِتَشْقَى ) وَيَقُولُ : ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ ، لِأَنَّ ( لِتَشْقَى ) فِي الْجَحْدِ ، وَ إِلا تَذْكِرَةً فِي التَّحْقِيقِ ، وَلَكِنَّهُ تَكْرِيرٌ ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ : مَعْنَى الْكَلَامِ : مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ﴾، لَا لِتَشْقَى .