الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا "
) ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾( 5 ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذَا الْقُرْآنُ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّبِّ الَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى ، وَالْعُلَى : جَمْعُ عُلْيَا . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ نَصْبِ قَوْلِهِ ( تَنْزِيلًا ) فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْبَصْرَةِ : نُصِبَ ذَلِكَ بِمَعْنَى : نَزَّلَ اللَّهُ تَنْزِيلًا وَقَالَ بَعْضُ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ قِيلِهِ هَذَا مِنْ كَلَامَيْنِ ، وَلَكِنَّ الْمَعْنَى : هُوَ تَنْزِيلٌ ، ثُمَّ أَسْقَطَ هُوَ ، وَاتَّصَلَ بِالْكَلَامِ الَّذِي قَبْلَهُ ، فَخَرَجَ مِنْهُ ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ لَفْظِهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْقَوْلَانِ جَمِيعًا عِنْدِي غَيْرُ خَطَأٍ .
وَقَوْلُهُ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : الرَّحْمَنُ عَلَى عَرْشِهِ ارْتَفَعَ وَعَلَا . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الِاسْتِوَاءِ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِيهِ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَلِلرَّفْعِ فِي الرَّحْمَنِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا بِمَعْنَى قَوْلِهِ : تَنْزِيلًا فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ : نَزَّلَهُ مَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ ، نَزَّلَهُ الرَّحْمَنُ الَّذِي عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ، وَالْآخَرُ بِقَوْلِهِ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ اسْتَوَى ، ذِكْرًا مِنَ الرَّحْمَنِ .