حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا . . . "

) اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ بِهَمْزِ الْأَلِفِ مِنْ ( فَأَجْمِعُوا ) ، وَوَجَّهُوا مَعْنَى ذَلِكَ إِلَى : فَأَحْكِمُوا كَيْدَكُمْ ، وَاعْزِمُوا عَلَيْهِ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : أَجْمَعَ فُلَانٌ الْخُرُوجَ ، وَأَجْمَعُ عَلَى الْخُرُوجِ ، كَمَا يُقَالُ : أَزْمَعَ عَلَيْهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : يَا لَيْتَ شِعْرِي وَالْمُنَى لَا تَنْفَعُ هَلْ أغْدُوَنْ يَوْمًا وَأمْرِي مُجْمَعُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : مُجْمَعُ ; قَدْ أُحْكِمَ وَعُزِمَ عَلَيْهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ لَمْ يُجْمِعْ عَلَى الصَّوْمِ مِنَ اللَّيْلِ فَلَا صَوْمَ لَهُ . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ : فَاجْمَعُوا كَيْدَكُمْ بِوَصْلِ الْأَلِفِ ، وَتَرْكِ هَمْزِهَا ، مِنْ جَمَعْتُ الشَّيْءَ ، كَأَنَّهُ وَجَّهَهُ إِلَى مَعْنَى : فَلَا تَدَعُوا مِنْ كَيْدِكُمْ شَيْئًا إِلَّا جِئْتُمْ بِهِ . وَكَانَ بَعْضُ قَارِئِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ يَعْتَلُّ فِيمَا ذُكِرَ لِي لِقِرَاءَتِهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ بِقَوْلِهِ فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ .

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ عِنْدَنَا هَمْزُ الْأَلِفِ مِنْ أَجْمَعَ ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ ، وَأَنَّ السَّحَرَةَ هُمُ الَّذِينَ كَانُوا بِهِ مَعْرُوفِينَ ، فَلَا وَجْهَ لِأَنَّ يُقَالُ لَهُمْ : أَجْمِعُوا مَا دُعِيتُمْ لَهُ مِمَّا أَنْتُمْ بِهِ عَالِمُونَ ، لِأَنَّ الْمَرْءَ إِنَّمَا يَجْمَعُ مَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَى مَا عِنْدَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ يَوْمَ تَزَيُّدٍ فِي عِلْمِهِمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَهُ مِنَ السِّحْرِ ، بَلْ كَانَ يَوْمَ إِظْهَارِهِ ، أَوْ كَانَ مُتَفَرِّقًا مِمَّا هُوَ عِنْدَهُ ، بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ ، وَلَمْ يَكُنِ السِّحْرُ مُتَفَرِّقًا عِنْدَهُمْ فَيَجْمَعُونَهُ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ فَغَيْرُ شَبِيهِ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ وَذَلِكَ أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ هُوَ الَّذِي يَجْمَعُ وَيَحْتَفِلُ بِمَا يَغْلِبُ بِهِ مُوسَى مِمَّا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مُجْتَمَعًا حَاضِرًا ، فَقِيلَ : فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ . وَقَوْلُهُ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا يَقُولُ : احْضَرُوا وَجِيئُوا صَفًّا ، وَالصَّفُّ هَاهُنَا مَصْدَرٌ ، وَلِذَلِكَ وُحِّدَ ، وَمَعْنَاهُ : ثُمَّ ائْتُوا صُفُوفًا ، وَلِلصَّفِّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَوْضِعٌ آخَرُ ، وَهُوَ قَوْلُ الْعَرَبِ : أَتَيْتُ الصَّفَّ الْيَوْمَ ، يَعْنِي بِهِ الْمُصَلَّى الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ . وَقَوْلُهُ وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى يَقُولُ : قَدْ ظَفِرَ بِحَاجَتِهِ الْيَوْمَ مَنْ عَلَا عَلَى صَاحِبِهِ فَقَهَرَهُ .

كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حُدِّثْتُ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ : جَمَعَ فِرْعَوْنُ النَّاسَ لِذَلِكَ الْجَمْعِ ، ثُمَّ أَمَرَ السَّحَرَةَ فَقَالَ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى أَيْ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَفْلَجَ الْيَوْمَ عَلَى صَاحِبِهِ .

موقع حَـدِيث