الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى "
) ﴿قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى ﴾( 68 ) ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ﴾( 69 ) يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خَوْفًا مُوسَى فَوَجَدَهُ . وَقَوْلُهُ ﴿قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : قُلْنَا لِمُوسَى إِذْ أَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى عَلَى هَؤُلَاءِ السَّحَرَةِ ، وَعَلَى فِرْعَوْنَ وَجُنْدِهِ ، وَالْقَاهِرُ لَهُمْ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا يَقُولُ : وَأَلْقِ عَصَاكَ تَبْتَلِعْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمُ الَّتِي سَحَرُوهَا حَتَّى خُيِّلَ إِلَيْكَ أَنَّهَا تَسْعَى . وَقَوْلُهُ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ بِرَفْعِ كَيَدٍ وَبِالْأَلِفِ فِي سَاحِرٍ بِمَعْنَى : إِنَّ الَّذِي صَنَعَهُ هَؤُلَاءِ السَّحَرَةُ كَيْدٌ مِنْ سَاحِرٍ .
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ بِرَفْعِ الْكَيْدِ وَبِغَيْرِ الْأَلِفِ فِي السِّحْرِ بِمَعْنَى إِنَّ الَّذِي صَنَعُوهُ كَيْدُ سِحْرٍ . وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى ، وَذَلِكَ أَنَّ الْكَيْدَ هُوَ الْمَكْرُ وَالْخُدْعَةُ ، فَالسَّاحِرُ مَكْرُهُ وَخُدْعَتُهُ مِنْ سِحْرٍ يَسْحَرُ ، وَمَكْرُ السِّحْرِ وَخُدْعَتُهُ : تُخَيُّلُهُ إِلَى الْمَسْحُورِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ فِي حَقِيقَتِهِ ، فَالسَّاحِرُ كَائِدٌ بِالسِّحْرِ ، وَالسِّحْرُ كَائِدٌ بِالتَّخْيِيلِ ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أَضَفْتَ الْكَيْدَ فَهُوَ صَوَابٌ ، وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَرَأَ ( كَيْدَ سِحْرٍ ) بِنَصْبِ كَيْدٍ ، وَمَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، جَعَلَ إِنَّمَا حَرْفًا وَاحِدًا وَأَعْمَلَ صَنَعُوا فِي كَيْدٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذِهِ قِرَاءَةٌ لَا أَسْتَجِيزُ الْقِرَاءَةَ بِهَا لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى خِلَافِهَا .
وَقَوْلُهُ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى يَقُولُ : وَلَا يَظْفَرُ السَّاحِرُ بِسِحْرِهِ بِمَا طَلَبَ أَيْنَ كَانَ . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّ السَّاحِرَ يُقْتَلُ حَيْثُ وُجِدَ . وَذَكَرَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْبَصْرَةِ أَنَّ ذَلِكَ فِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ أَيْنَ أَتَى وَقَالَ : الْعَرَبُ تَقُولُ : جِئْتُكَ مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُ ، وَمِنْ أَيْنَ لَا تَعْلَمُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ الْأُوَلِ : جَزَاءٌ يَقْتُلُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى وَأَيْنَ أَتَى وَقَالَ : وَأَمَّا قَوْلُ الْعَرَبِ : جِئْتُكَ مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُ ، وَمِنْ أَيْنَ لَا تَعْلَمُ ، فَإِنَّمَا هُوَ جَوَابٌ لَمْ يُفْهَمْ ، فَاسْتَفْهَمَ كَمَا قَالُوا : أَيْنَ الْمَاءُ وَالْعُشْبُ .