الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا . . . "
) ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى ﴾( 71 ) وَفِي هَذَا الْكَلَامِ مَتْرُوكٌ قَدِ اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ مَا تُرِكَ عَلَيْهِ وَهُوَ : فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ ، فَتَلَقَّفَتْ مَا صَنَعُوا ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى ﴾ وَذُكِرَ أَنَّ مُوسَى لَمَّا أَلْقَى مَا فِي يَدِهِ تَحَوَّلَ ثُعْبَانًا ، فَالْتَقَمَ كُلَّ مَا كَانَتِ السَّحَرَةُ أَلْقَتْهُ مِنَ الْحِبَالِ وَالْعِصِيِّ . ذِكْرُ الرِّوَايَةِ عَمَّنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا يَعْقُوبُ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ سَعِيدٍ قَالَ : لَمَّا اجْتَمَعُوا وَأَلْقَوْا مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ السِّحْرِ ، يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى ٦٧ قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى ﴾وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ ﴾، قَالَ : فَتَحَتْ فَمًا لَهَا مِثْلَ الدَّحْلِ ، ثُمَّ وَضَعَتْ مِشْفَرَهَا عَلَى الْأَرْضِ وَرَفَعَتِ الْآخَرَ ، ثُمَّ اسْتَوْعَبَتْ كُلَّ شَيْءٍ أَلْقَوْهُ مِنَ السِّحْرِ ، ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهَا فَقَبَضَ عَلَيْهَا ، فَإِذَا هِيَ عَصًا ، فَخَرَّ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ قَالَ : فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ قَطَعَ الْأَيْدِيَ وَالْأَرْجُلَ مِنْ خِلَافٍ فِرْعَوْنَ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ قَالَ : فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ صَلَبَ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ فِرْعَوْنَ . حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : ثَنَا عَمْرٌو قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى ﴾ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ لا تَخَفْ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا يَأْفِكُونَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَأَكَلَتْ كُلَّ حَيَّةٍ لَهُمْ ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ سَجَدُوا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حُدِّثْتُ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى ﴾ لَمَّا رَأَى مَا أَلْقَوْا مِنَ الْحِبَالِ وَالْعِصِيِّ وَخُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّهَا تَسْعَى ، وَقَالَ : وَاللَّهِ إِنَّ كَانَتْ لَعِصِيًّا فِي أَيْدِيهِمْ ، وَلَقَدْ عَادَتْ حَيَّاتٌ ، وَمَا تَعْدُو عَصَايَ هَذِهِ ، أَوْ كَمَا حَدَّثَ نَفْسَهُ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ﴾ وَفَرِحَ مُوسَى فَأَلْقَى عَصَاهُ مِنْ يَدِهِ ، فَاسْتَعْرَضَتْ مَا أَلْقَوْا مِنْ حِبَالِهِمْ وَعِصِيِّهِمْ ، وَهِيَ حَيَّاتٌ فِي عَيْنِ فِرْعَوْنَ وَأَعْيُنِ النَّاسِ تَسْعَى ، فَجَعَلَتْ تَلْقَفْهَا ، تَبْتَلِعُهَا حَيَّةً حَيَّةً ، حَتَّى مَا يُرَى بِالْوَادِي قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ مِمَّا أَلْقَوْا ، ثُمَّ أَخَذَهَا مُوسَى فَإِذَا هِيَ عَصَا فِي يَدِهِ كَمَا كَانَتْ ، وَوَقَعَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا ، قَالُوا : آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى ، لَوْ كَانَ هَذَا سِحْرٌ مَا غَلَبَنَا . وَقَوْلُهُ قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَقَالَ فِرْعَوْنُ لِلسَّحَرَةِ : أَصَدَّقْتُمْ وَأَقْرَرْتُمْ لِمُوسَى بِمَا دَعَاكُمْ إِلَيْهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ أُطْلِقَ ذَلِكَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ يَقُولُ : إِنَّ مُوسَى لَعَظِيمُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ . كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حُدِّثْتُ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ : لَمَّا قَالَتِ السَّحَرَةُ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى قَالَ لَهُمْ فِرْعَوْنُ وَأَسِفَ وَرَأَى الْغَلَبَةَ وَالْبَيِّنَةَ : آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ : أَيْ لَعَظِيمُ السُّحَّارِ الَّذِي عَلَّمَكُمْ .
وَقَوْلُهُ : فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ يَقُولُ : فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مُخَالِفًا بَيْنَ قَطْعِ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ أَنْ يَقْطَعَ يُمْنَى الْيَدَيْنِ وَيُسْرَى الرَّجُلَيْنِ ، أَوْ يُسْرَى الْيَدَيْنِ ، وَيُمْنَى الرَّجُلَيْنِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ قَطْعًا مِنْ خِلَافٍ ، وَكَانَ فِيمَا ذُكِرَ أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِرْعَوْنَ وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ بِذَلِكَ . وَقَوْلُهُ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ يَقُولُ : وَلَأُصَلِبَنَّكُمْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : هُمْ صَلَبُوا الْعَبْدِيَّ فِي جِذْعِ نَخْلَةٍ فَلَا عَطَسَتْ شَيْبَانُ إِلَّا بِأَجْدَعَا يَعْنِي عَلَى جِذْعِ نَخْلَةٍ ، وَإِنَّمَا قِيلَ : فِي جُذُوعِ ، لِأَنَّ الْمَصْلُوبَ عَلَى الْخَشَبَةِ يُرْفَعُ فِي طُولِهَا ، ثُمَّ يَصِيرُ عَلَيْهَا ، فَيُقَالُ : صُلِبَ عَلَيْهَا . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ لَمَّا رَأَى السَّحَرَةُ مَا جَاءَ بِهِ عَرَفُوا أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَخَرُّوا سُجَّدًا ، وَآمَنُوا عِنْدَ ذَلِكَ ، قَالَ عَدُوُّ اللَّهِ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ .
الْآيَةَ . حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : ثَنَا عَمْرٌو قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ فِرْعَوْنُ : فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ فَقَتَلَهُمْ وَقَطَّعَهُمْ ، كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ حِينَ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ وَقَالَ : كَانُوا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ سَحَرَةً ، وَفِي آخِرِ النَّهَارِ شُهَدَاءَ . وَقَوْلُهُ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى يَقُولُ : وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّهَا السَّحَرَةُ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا لَكُمْ ، وَأَدُومُ ، أَنَا أَوْ مُوسَى .